د. جوسلين البستاني

PSYOPS أو البُعد الآخر للحرب

5 دقائق للقراءة
نشر نتنياهو معلومات استخباراتية انتقائية خدمة لأهداف نفسية (رويترز)

مع تصاعد العمليات العسكرية عقب الغارات الإسرائيلية على طهران في 13 حزيران، لجأت كل من إسرائيل وإيران بشكل متزايد إلى ما يُعرف بالعمليات النفسية (PSYOPS)، وهي استراتيجية تمزج بين القوة الصلبة كالغارات الجوية والقصف الصاروخي، والقوة الناعمة، مثل التضليل الإعلامي والحرب الدعائية والتحكّم في المشاعر الجماعية، وذلك بهدف تعزيز الردع وإضعاف الروح المعنوية والتماسك الداخلي لدى الطرف الآخر.


تضمّنت العمليات النفسية الإسرائيلية، ابتداءً من 13 حزيران، ما يُعرف بالخداع الاستباقي، إذ تعمّدت إسرائيل إطلاق تحذيرات علنية عبر وسائل الإعلام، واختلاق إشارات عسكرية مُضلّلة، مثل تحرّكات وهمية للقوات أو استعدادات ميدانية ظاهرة، بهدف إيهام الخصم بأن الهجوم وشيك أو أنه سيكون أضخم وأقرب مِمّا هو عليه في الواقع.


كان الهدف من ذلك تضخيم صورة الهجوم في أذهان المراقبين، ولا سيّما العدو (إيران في هذه الحالة)، بغضّ النظر عن خطة العمليات الفعلية. وبهذا الشكل، استغلّت إسرائيل حالة الارتباك والقلق الناجمة عن عدم اليقين، لتستخدمها كأداة فعّالة في الحرب النفسية. إذ يُثير هذا الغموض مشاعر الخوف، ويُعطّل عملية اتخاذ القرار، بل قد يُشلّ جهود الردّ قبل أن تبدأ.


عقب تنفيذ الضربة، بثّت وسائل الإعلام الإسرائيلية، بدعم حكومي مباشر، لقطات مصوّرة بطائرات مسيّرة توثّق عمليات نفذها جهاز "الموساد" ضدّ أهداف تابعة لـ "الحرس الثوري" الإيراني، بعضها جرى داخل الأراضي الإيرانية نفسها. وقد رافقت هذه الضربات حملة تأطير علني، من قبيل: "هذه عملية لـ "الموساد" استهدفت أصول القيادة النووية"، رغم أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية غالبًا ما تؤخّر الإفصاح عن مثل هذه التفاصيل.


استهدف الترويج لنجاح "الموساد" إرباك القيادة الإيرانية عبر إبراز عمق الاختراق الإسرائيلي لأجهزة الدفاع والاستخبارات الإيرانية. أمّا على الصعيد الداخلي، فكان الهدف تعزيز الشعور بالوحدة الوطنية وترسيخ صدقية الردع من خلال إظهار قدرات "الموساد" وانتشار التنسيق العسكري. إنها عملية نفسية تقليدية، تُركّز على إظهار الانكشاف الأمني داخل إيران، إضعاف معنويات الوحدات العسكرية والاستخباراتية الإيرانية من خلال إظهار نقاط الضعف. وأيضاً إيصال رسالة واضحة: "نحن بالفعل في الداخل". حتى التسريبات الإعلامية للتفاصيل استخباراتية لم تكن عرضية، بل شكّلت جزءًا من استراتيجية نفسية أوسع نطاقًا.


بالفعل، تعمّدت القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، نشر معلومات استخباراتية انتقائية، خدمة لأهداف نفسية واستراتيجية.


كما سعى إلى توجيه رسائل مباشرة إلى الإيرانيين، حاضًا إياهم على المعارضة، ومصوّرًا القيادة الإيرانية على أنها مُنقسمة و"على وشك الانهيار".


من جهة أخرى، شكّل استهداف البنية التحتية الدعائية، أي مباني هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية في طهران، رسالة رمزية تهدف إلى إسكات صوت الإعلام الإيراني، وتقويض ثقة الإيرانيين في قدرة حكومتهم على السيطرة على المعلومات.


في المقابل، وصف المسؤولون الإيرانيون إنذارات الإجلاء الإسرائيلية بأنها جزء من عمليات نفسية تهدف إلى نشر الذعر، ودانوها باعتبارها فبركات إسرائيلية. كما أكدوا تماسك الجبهة الداخلية، وسعوا من خلال وسائل الإعلام الحكومية إلى الحفاظ على وحدة الصف، وتهدئة مخاوف المدنيين، وتصوير المجتمع الإيراني على أنه يتحمّل الضغوط رغم تصاعد القلق العام وفرار مئات الآلاف من طهران، وفقًا للتقارير.


ومن المحتمل جدًّا أن يكون ادعاء إيران بإسقاط مقاتلات إسرائيلية من طراز "أف 35" جزءًا من رواية العمليات النفسية، وليس حدثًا عسكريًا مؤكدًا، وذلك بسبب عدم وجود تحقّق مستقلّ، وعدم تقديم لقطات يُمكن التحقّق منها أو حطامًا أو دليلًا على أسر الطيارين. إضافة إلى نفي السلطات الإسرائيلية بشدّة وقوع أي خسائر. تُحاكي هذه الحادثة تكتيكات حرب المعلومات المعروفة: تضع إيران مزاعمها مباشرة بعد شن الضربات الإسرائيلية، ما يُعزّز رواية قوتها وقد يردع المزيد من الهجمات. وبالنسبة إلى الجمهور الداخلي، فهي تُعزّز الروح المعنوية، والصمود والفضل الإلهي، وفقًا لأساليب الدعاية القديمة.


أمّا خارجيًا، فتُلقي هذه المزاعم بظلال من الشك على التفوّق الجوّي الإسرائيلي، في وقتٍ لا توجد فيه صور أقمار اصطناعية أو أدلّة موثوقة من طرف ثالث تدعم رواية طهران. وحتى اللقطات المتداولة تبدو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.


المُثير للاهتمام هو الزخم السردي المتصاعد، حيث يُعزّز كل ادعاء جديد عن إسقاط مقاتلة "أف 35" الادعاءات السابقة. وذلك في محاولة واضحة لحفظ ماء الوجه بعد الخسائر الفادحة التي تكبّدتها إيران. وتتماشى هذه الحملة مع قواعد اللعبة التضليلية التقليدية التي تعتمدها الأنظمة الاستبدادية، بهدف منع بروز المعارضة الداخلية أو تدهور الروح المعنوية في أعقاب النكسات العسكرية.


كذلك الأمر بالنسبة إلى الإنذار الذي وجّهته إيران إلى إسرائيل في ليل 16 حزيران في شأن كثافة الضربات المستقبلية المحتملة، والتي يُقال إنها مرتبطة بالسلوك الإسرائيلي (مثل الانتقام أو التصعيد)، فهو يندرج أيضاً ضمن مجال العمليات النفسية (PSYOPS)، حتى وإن لم يكن كذلك على المستوى التكتيكي، كالمنشورات أو حملات الخداع، أو تأطير الرسائل على منصّات التواصل الاجتماعي الذي قامت به وزارة الخارجية الإسرائيلية ومكتب نتنياهو.


بالفعل، تمّ نشر محتوى باللغة الفارسية على منصّات "إنستغرام" و"إكس" و"تلغرام"، حقّق حوالى 20 مليون مشاهدة خلال 24 ساعة. وقد ارتكز التأطير السردي في هذا المحتوى على رسالة أساسية مفادها: "معركتنا مع النظام وليست معكم، الشعب الإيراني".


أخيراً، يُمثّل الصراع الحالي نموذجًا للحرب الهجينة التي تدمج بين العمليات العسكرية، والاستخباراتية، والهجمات السيبرانية ضمن استراتيجية مُتماسكة تستخدم أدوات الإعلام بهدف تشكيل الإدراك الجماهيري وتقويض الخصم ماديًا ونفسيًا.