بدت شوارع العاصمة السودانيّة الخرطوم خالية إلى حدّ بعيد أمس مع بدء حملة العصيان المدني للمطالبة بتسليم السلطة إلى المدنيين، بينما قُتِلَ اثنان بالرصاص في الخرطوم ومدينة أم درمان المجاورة، فيما قضى آخران طعناً بآلة حادة وتوفيا في مستشفى أم درمان.
وحمّلت لجنة أطباء السودان المركزيّة، إحدى القوى المنظّمة للاحتجاجات، المجلس العسكري الانتقالي و"ميليشياته"، مسؤوليّة مقتل هؤلاء. وأوضحت اللجنة أن حصيلة القتلى منذ القمع الدموي الذي تعرّض له المحتجّون في الثالث من حزيران عبر فضّ اعتصامهم في الخرطوم، ارتفعت إلى 118 قتيلاً.
وأعلن تجمّع "المهنيين السودانيين"، الذي أطلق الحركة الاحتجاجيّة في السودان، العصيان المدني اعتباراً من أمس، على ألّا ينتهي إلّا بقيام حكومة مدنيّة بإذاعة "إعلان بيان تسلّم السلطة" عبر التلفزيون السوداني، معتبراً أن "العصيان هو فعل سلمي قادر على تركيع أقوى ترسانة أسلحة في العالم".
وتأتي هذه الدعوة غداة زيارة رئيس الوزراء الاثيوبي آبي أحمد إلى الخرطوم، لعرض وساطة بين قادة الاحتجاجات والمجلس العسكري الذي يحكم السودان منذ إطاحة عمر البشير في 11 نيسان.
واستجابة لدعوة العصيان المدني، بدأ المتظاهرون إقامة حواجز في طرقات الخرطوم، بينما أغلقت الأسواق والمتاجر أبوابها في مدن وبلدات عدّة. وردّت الشرطة السودانيّة بإطلاق الرصاص في الهواء لتفريق المتظاهرين الذين كانوا يُحاولون نصب الحواجز.
عصيان شامل
وفي منطقة بحريّة في شمال العاصمة السودانيّة، جمع السكّان إطارات السيّارات وجذوع الأشجار والصخور لإقامة حواجز، لكن شرطة مكافحة الشغب تدخّلت سريعاً وأطلقت النار في الهواء والغاز المسيل للدموع على المتظاهرين، قبل إزالة الحواجز المرتجلة.
وفي حي بحري، رأى شهود شاحنة للشرطة مليئة بأشخاص بلباس مدني، لكن لم يكن من الممكن التأكّد ما إذا كانوا متظاهرين تمّ توقيفهم. وشوهدت مركبات عدّة تابعة لـ "قوّات الدعم السريع" تتحرّك في بعض أجزاء العاصمة أمس، وقد ثُبّتت عليها رشّاشات.
وشوهد عناصر "الدعم السريع" كذلك في محيط محطّة الكهرباء الرئيسيّة. وألغت شركات طيران عدّة رحلاتها إلى السودان منذ العمليّة الدامية بحق المعتصمين، وشوهد الركّاب ينتظرون خارج مبنى المغادرة في مطار الخرطوم أمس، رغم أنّه لم يتّضح ما إذا كان هناك أيّ رحلات ستُقلع خلال الساعات المقبلة.
وأُغلق الحيّ التجاري وسط العاصمة بمعظمه، بينما توقّفت الحافلات عن التوجّه إلى أحياء عدّة، إلّا أن السيّارات الخاصة واصلت نقل الركّاب في بعض المناطق. وفي مدينة أم درمان المجاورة على الضفّة المقابلة من نهر النيل، بقيت الكثير من المتاجر والأسواق مغلقة، لكن السكّان شوهدوا في بعض المتاجر يشترون منتجات أساسيّة.
وفي مدينة الأبيض (وسط)، أغلق السوق الرئيسي وتغيّب عدد من موظّفي المصارف عن العمل، أمّا في مدني (جنوب شرق العاصمة)، فشوهد السكّان يصطفّون خارج الأفران المغلقة، بينما أُغلق السوق الرئيسي كذلك.
توقيفات مشبوهة
وفي ظلّ التوتّر المتزايد، أوقف مسلّحون ثلاثة من قادة المعارضة أوّل من أمس، بعدما التقوا رئيس الوزراء الاثيوبي. واعتُقل القيادي في الحركة الشعبيّة لتحرير السودان - شمال، اسماعيل جلاب، من منزله في وقت مبكر. وكشف رشيد أنوار، وهو أحد مساعدي جلاب، أنّ "مجموعة مسلّحين حضرت على متن سيّارة وأخذت اسماعيل جلاب من دون إعطاء أيّ سبب"، موضحاً أن مبارك أردول، الناطق باسم الحركة، وهي الفرع الشمالي من حركة تمرّد جنوبيّة سابقة، اعتُقل أيضاً. وتابع: "لا نعرف أين يتمّ احتجازهم".
وأُوقف مسلّحون أيضاً السياسي المعارض محمد عصمت الجمعة، لدى خروجه من السفارة الاثيوبيّة، بحسب ما أفاد عصام أبو حسابو، العضو في تحالف "الحرّية والتغيير". وعصمت، عضو بارز في هذا التحالف الذي يضمّ أحزاباً ومجموعات متمرّدة.
واعتبر سفير بريطانيا في الخرطوم عرفان صديق، أن تلك التوقيفات "غير مقبولة"، مؤكّداً أن جلاب وأردول التقيا نائبه في اليوم السابق. وكتب على "تويتر": "على المجلس العسكري الانتقالي إطلاق سراحهم فوراً، وسراح قادة المعارضة الآخرين أيضاً".
وتولّى المجلس العسكري الحكم في نيسان بعدما أقال الرئيس عمر البشير عقب أشهر من الاحتجاجات الشعبيّة الواسعة ضدّ حكمه الذي استمرّ ثلاثين عاماً. ومذاك، قاوم قادة الجيش دعوات وجّهها إليهم المحتجّون والمجتمع الدولي لنقل السلطة إلى إدارة مدنيّة، وانهارت أخيراً في منتصف أيّار جولات محادثات عدّة. وخلال زيارة رئيس الوزراء الاثيوبي، أعرب العسكريّون عن انفتاحهم على التفاوض، لكن حركة الاحتجاج وضعت شروطاً عدّة، منها فتح تحقيق دولي في"مجزرة" فضّ الاعتصام وإطلاق سراح الموقوفين.