تخيلوا أن مؤشرات الصراع المقبلة لا تكمن في تقارير أسعار النفط أو تحليلات البورصات المعقدة، بل برائحة الجبن الذائب في أروقة القرار؛ فبينما يراقب العالم المؤشرات الاقتصادية والسياسية التقليدية، يبرز مؤشر آخر غير متوقع، قد يكون أكثر دقة في كشف التوترات الجيوسياسية ومستوى النشاط داخل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وحتى احتمالية نشوب صراع كبير. لذا، وقبل أن يُعلن الخبر، راقبوا طلبات البيتزا في واشنطن!
لا يعتبر «مؤشر البيتزا» اكتشافًا علميًا دقيقًا، بل نتاج ملاحظات تراكمية على مر السنين. يُقال إن المخابرات السوفياتية خلال الحرب الباردة كانت من أوائل من راقبت هذه الظاهرة، وأطلقت عليها اسم Pizzint، اختصارًا لعبارة Pizza Intelligence (استخبارات البيتزا). كانت المخابرات تلاحظ تزايد طلبات توصيل البيتزا إلى المكاتب الحكومية الأميركية في واشنطن خلال ساعات متأخرة من الليل، واعتبروا ذلك مؤشرًا إلى أن المسؤولين الأميركيين يعملون لساعات إضافية، مما قد يشير إلى أزمة وشيكة أو تخطيط لعملية مهمة.
لم تقتصر الملاحظة على الاستخبارات السوفياتية؛ فقد بدأ الصحافيون والمراقبون في التسعينات أيضًا ملاحظة هذا النمط. من أبرزهم وولف بليتزر، مراسل CNN في البنتاغون آنذاك، الذي أشار في عام 1990، خلال حرب الخليج الأولى، إلى ارتفاع طلبات البيتزا في البنتاغون، مصرحًا بجملته الشهيرة: «القاعدة الأساسية للصحافيين: راقبوا البيتزا دائمًا».
وحتى عاملو توصيل البيتزا وأصحاب المطاعم القريبة من البنتاغون لاحظوا هذا التغيير في حجم الطلبات. فعلى سبيل المثال، لاحظ فرانك ميكس، صاحب امتياز Domino,s في واشنطن، ارتفاعًا مفاجئًا في الطلبات إلى مبنى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) عشية غزو العراق للكويت في 1 آب 1990.
وقود الأزمات
إذاً، في الليالي التي تشهد تصعيدًا أمنيًا أو عندما تكون هناك عملية عسكرية قيد التخطيط أو التنفيذ، تتزايد بشكل ملحوظ طلبات توصيل البيتزا إلى المكاتب وقاعات العمليات داخل البنتاغون. إنها مؤشر واضح إلى أن الضباط والمحللين والمسؤولين يقضون ساعات طويلة داخل جدران المبنى، منهمكين في عملهم، ويحتاجون إلى حل سريع لإطعام أنفسهم.
لنتأمل بعض الأمثلة التاريخية: بالإضافة إلى حرب الخليج الأولى، يُشاع أن طلبات البيتزا شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال أحداث 11 أيلول ومرّة أخرى عقب التخطيط لغزو العراق عام 2003. وفي أحدث الأمثلة، خلال التوترات الأخيرة بين إيران وإسرائيل، إذ أشار حساب @PenPizzaReport على منصة «X» إلى ارتفاع هائل في نشاط جميع مطاعم البيتزا القريبة من البنتاغون، متزامنًا مع بداية سلسلة من الضربات الإسرائيلية، في 12 الجاري 2025 حوالى الساعة 7 مساءً بالتوقيت المحلي، الذي استهدفت منشآت إيرانية، مما يؤكد استمرارية هذه الملاحظة.
لماذا البيتزا تحديدًا؟
في ظل هذا الاهتمام بـ «مؤشر البيتزا»، يبرز سؤال جوهري: هل هناك مطعم معين هو المصدر الأساسي لهذه الطلبات الكثيفة؟ ولماذا تُفضل البيتزا تحديدًا على غيرها من الوجبات السريعة كالبرغر، الباستا، أو حتّى السوشي مثلاً؟
تعتمد هذه الملاحظة بشكل كبير على عدد من مطاعم البيتزا المعروفة القريبة من مبنى البنتاغون في أرلينغتون- فيرجينيا . تشمل هذه المطاعم سلاسل شهيرة مثل Domino,s Pizza و District Pizza Palace، بالإضافة إلى We ،The Pizza وExtreme Pizza وحتى Pizza Hut أحيانًا. وتتميز هذه الأماكن بقدرتها على التعامل مع حجم كبير من الطلبات بكفاءة وسرعة، وهو أمر حيوي لتلبية احتياجات العمل المكثف. وعلى الرغم من أن البنتاغون يضم الكثير من المطاعم والمقاهي الداخلية، إلا أنه لا يوجد أي مطعم بيتزا ضمن المجمع نفسه، مما يجعل خدمات التوصيل الخارجية ضرورة حتمية خلال فترات الضغط والعمل لساعات طويلة.
أما عن سبب تفضيل البيتزا على غيرها من الوجبات السريعة، فالإجابة تكمن في عدة عوامل عملية وثقافية أبرزها أنها سهلة الطلب بكميات كبيرة وتُشبع عددًا كبيرًا من الأشخاص بكفاءة. كما أنها سهلة التناول ولا تتطلب تسخينًا فوريًا مما يجعلها مثالية للعمل المكتبي. إضافة إلى ذلك توفر خيارًا اقتصاديًا يلبي أذواقًا مختلفة بفضل تنوع الإضافات. وتُعد البيتزا «طعام راحة» (Comfort Food) في الثقافة الغربية، وتوفر شعورًا بالألفة والجانب الاجتماعي الذي يساعد على تخفيف حدة التوتر والضغط، مما جعلها جزءًا لا يتجزأ من «فولكلور» البنتاغون عبر تاريخه.
البنتاغون ينفي
بالطبع، «مؤشر البيتزا» ليس علمًا دقيقًا، ولا يمكن الاعتماد عليه وحده لتحديد مصير الأمم. ولا توجد معادلات رياضية معقدة تربط عدد صناديق البيتزا بمستوى التهديد العسكري. يمكن القول، إنه يمثل مؤشرًا سلوكيًا غير رسمي، يعكس نمطًا من الاستجابة البشرية للضغط والتوتر. ويتجاهل البنتاغون رسميًا هذه الملاحظة، مؤكدًا أنه لا يتتبع أنماط استهلاك الطعام لموظفيه، وأن الخيارات المتوفرة داخليًا تجعل الموظفين لا يحتاجون بالضرورة إلى طلب الطعام من الخارج. ويعتبر «مؤشر البيتزا» مجرد نظرية شعبية أو ظاهرة مثيرة للفضول، تفتقر إلى أي أساس رسمي أو استخباراتي موثوق به.
على الرغم من النفي الرسمي، يظل «مؤشر البيتزا» مثالًا غير تقليدي لكنه مثير للاهتمام على الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT)، التي تتيح تحليل المعلومات المتاحة للجمهور لاستخلاص استنتاجات استخباراتية.