ميشال معيكي

أمين الريحاني "الصبي التلبيس": "متى تُحوِّلين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟"

8 دقائق للقراءة
أمين الريحاني

تستحيل الإحاطة بشخصية أمين الريحاني (1876 - 1940) وفكره. نهر هادر متعدّد الروافد والينابيع، لا نوفّيه حقّه مهما تدارسناه واجتهدنا. وتحلو استعادة مشاهد ومحطات في مراحل الريحاني ومواقفه!


مشهد أوّل

الزمن 1884، زقاق تحت بيت فارس الريحاني في الفريكة، ومعلّم من بيت شباب. طربوش أحمر وغنباز ديما وعصا وراء ظهره يحفر بها حروف المعرفة في رؤوس الصبيان على سيقانهم!


ويردّد الصبيان "كارجًا" مبادئ العِلم طيلة النهار، تحت السنديانة أو شجرة اللّوز صيفًا، وفي القبو حين يشتدّ عَصفُ كانون من القاطع ومهاوير وادي الفريكة...


يقف الأمين الصغير في حضرة فارس الريحاني، يلبط الأرض: "لن أتعلّم بعد اليوم عند واحد يريد أن يضربني!".


مشهد ثانٍ

"في ذلك الزمان" كان نعّوم مكرزل "مِلفان معرفة" وحجّة عِلم. قالوا: "نرسل الصبي إليه. يتلقّى العلوم!".


نعّوم مكرزل، لصندوق فرجة معارف جوالة... من عين عار إلى مار جرجس بحردق - الشاوية، فالفريكة! لقط الصبي الحرف، حفظ المزامير وما تيسّر من الفرنسية...


يزور قنصل فرنسا ضاحية المتن صوب بيت شباب، يعرّج على مدرسة نعّوم، ويُلقي الأمين كلمة ترحيب بالفرنسية، دفعت القنصل لتقديم منحة دراسيّة له في فرنسا. رفض الريحاني، كانت أميركا بالبال!


مشهد ثالث

طفولة الأمين، "الولد البُلط، الرذيل". يعربش على أشجار البطم والتين، يُصْلي دبوقًا للحساسين وعصافير العابور، يقضم ثمر البلوط ويعبُّ من العين للتحلية، يقفز الغنباز الصغير بين حفافي القندول والوزّال والطيّون... يعرّج على بيت الحرير، بنات يسحبن خيوط الحرير من الخَلقين، يقلدهنّ ويحرق الأصابع. تعجبه بنت، يشدّ تنّورتها ويتفرّج على الدنيا!


مشهد رابع

في تلك الفترة "خفّ الشغل" في بيت الحرير، واشتدّت المنافسة بسبب استيراد الحرير الياباني. قرّر فارس الريحاني وشريكه أمين هاشم بيع كرخانة الحرير، ولاحت الأرض الجديدة حلمًا ملوّنًا...


مشهد خامس

1898: يعود الأمين إلى لبنان، ينزل عند جدّته أم فارس، يلتحق بمدرسة المطران الزغبي في قرنة شهوان. يدرس الإنكليزية ويتعلّم العربية على الخوري بطرس البستاني...


ذات ليلة، فيما الناظر في كبسة مسائية على التلاميذ النيام، وجد قرب سرير الأمين صابونة أميركية. استغرب شكلها وسأل الأمين فأجاب: "نوع من الجبنة الأميركية اللذيذة، جرّبها!". فكدش نصفها... والباقي مفهوم!


1903: نشر "المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية". حواريّة نقديّة لاذعة على غرار ابن المقفع ولافونتين، وتناول رجال الدين بقساوة. صدر الحُرم من البطريرك الحويّك. ويوم عاد إلى لبنان (1904) ابتعد عنه أهل الفريكة وخافوا دخول بيت "الكافر". كتب إلى البطريرك الحويّك: "أشكر لكم هذا الحُرم، لقد صرت وحيدًا، أستطيع أن أنصرف للكتابة!".


وقامت القيامة على الأمين، حتى أنّ الأب شيخو اليسوعي كتب مرّة في "البشير"، أنه "جرذون الفريكة"، كما ذكر لي الأديب الراحل جورج مصروعة... يوم توفّي الأب شيخو كتب الريحاني مؤبِّنًا: "في رسالة غير منشورة (27 كانون الأول 1927) حملتَ كتاب الصلاة في جَيبك الأيمن، ومعجم الهِجاء في الآخر. ضمّدتََ بالورع جروحك، ونثرت الملح على جروح الخصوم!".


كُثر اعتبروا حملة اليسوعيين بدافع من الانتداب، ردًّا على مواقف الريحاني العنيفة المطالِبة بالاستقلال، فشوّهوا حملته على مستغلّي الدِّين في عمليّة ابتزاز لم تنجح. يقال، في عهد ويغان عرض عليه الانتداب سرًّا تولّي رئاسة الجمهورية، فرفض!


مشهد سادس

عام 1933 في "التّياترو الكبير"، وقف الريحاني بحضور المفوّض السامي الكونت دو مارتيل وألقى خطبته الناريّة "بين عهدين":

"... من الجاسوسيّة الحميديّة انتقلنا إلى دائرة الاستخبارات الانتدابية... من عهد عبد الحميد إلى عهد دو مارتيل السّعيد، فهل تقدّمنا، هل قلّ الجهل؟ هل خفّ التعصّب؟ (...) إنَّ بلاءنا من السياسة الانتدابية ومن عبيدها المأجورين...".


وما شارف على نهاية الخطاب حتى هبّ عسكر الانتداب لاعتقاله، وقامت تظاهرة تأييد رافقته حتى بيت أخته أدال في شارع كليمنصو، ويسبقه قرار المفوّض السامي بالإبعاد خلال 48 ساعة، باعتباره يحمل جواز سفر أميركيًّا. نزل الأمين في ضيافة غازي ملك العراق ثلاثة أشهر، عاد بعدها بعد تدخلات مصطحبًا بالطائرة هديّة من الملك، خروفًا أسماه "الطيار"!


وفي إحدى رسائله لمارون عبّود (11 نيسان 1934) بعد عودته من المنفى، كتب يقول: "سيجيء اليوم، نرى المستعمر حاملًا مدفعه وطبله وزمره وكيسه الفارغ، وراحلًا، راحلًا...".


وكان عبّود كتب متضامنًا: "ما أرى هذه الأمّة إلّا مُفلتة من نير لتقع تحت نير".

ويردّ الأمين: "الغد لنا يا مارون... الغد لنا!".


فيلسوف الفريكة

نفتقد الأمين، قامة فكرية، عنيدًا حرًّا، مناضلًا وطنيًّا، كاتبًا مثقّفًا، عاشق حريّة، تمثّلََ روح الشرق وعقل الغرب، شاعرًا صوفيًّا... ولد شقي، بلط، رذيل، تلبيس، خلّفته أم أمين... صار فيلسوف الفريكة!


وُلد الريحاني في الفريكة (جبل لبنان) في عام 1876، سافر صغيرًا إلى نيويورك عام 1888، ورحل في العام 1940 وكان في لبنان. كتب في أدب الرحلة والنقد والسياسة والتاريخ، والشعر والأدب والتصوّف والفلسفة والمسرح، بالعربية والإنكليزية. من أعماله: الريحانيّات، ملوك العرب، تاريخ نجد، التطرّف والإصلاح، النكبات، أنتم الشعراء، قلب لبنان، قلب العراق، المغرب الأقصى، القوميّات، هتاف الأودية، كتاب خالد. صادقه حكّام زمانه والأمراء والرؤساء والملوك من عرب وأجانب. فكان صديقًا للملك فاروق والملك غازي والحاج أمين الحسيني. وأهداه الملك عبد العزيز قطعة من أستار الكعبة الشريفة وسيف آل سعود الذي استعاد به نجد (بين الموجودات الثمينة التي يزخر بها متحف أمين الريحاني في مسقط رأسه الفريكة). وكانت له مراسلات مع مفكّري وأدباء وزعماء زمانه في أميركا وأوروبا والعالم العربي.


تعرّض للانتقاد الشديد والحُرم الديني والنفي مرات عدّة، لجرأته وصدقه في مقاومة أشكال الإقطاع والتسلّط والتعصّب السياسي والديني. وصرخته الشهيرة أمام تمثال الحرية: "متى تُحوّلين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟".


توزّعت أفكاره في كتبه ورسائله وخطبه في المناسبات. وكما كتاب "النبي" لجبران، و "مرداد" لميخائيل نعيمة، فإن كتاب "خالد" لأمين الريحاني الذي سبق الكتابَين (صدر بالإنكليزيّة في نيويورك العام 1911 لأول مرة) لم يأخذ حقّه والاهتمام الكافي. فقد صدرت ترجمته إلى العربية في العام 1986 (د. أسعد رزوق).


ويُعتبر كتاب "خالد" سيرة بشكل رواية ترسم مسار الخط الفكري والنفسي والاجتماعي، وتوجِز برؤية شمولية أدب الريحاني وآراءه وتختزل التكوين الفلسفي لشخصية خالد في الغربة والعزلة والصحراء والتصوّف. ولعلّ المحور الأساسي في كتاب "خالد" هو طرحه مسألة العلاقة بين الشرق والغرب، إحدى القضايا المحوريّة التي اتّسم بها أدب النهضة عامة.


كان الريحاني ثائرًا على التقليد الأعمى، والتحجّر والظلم وعتمات الشرق. في العام 1928 طبع كتابه "التطرّف والإصلاح". قال: "الناس عبيد، يسيرون تابعين، مَسوقين، فإن لم يقم فيهم من يحمل العصا ويصيح صيحة المنقذ فهم لا يسمعون. يقدّسون الجهل ويبنون معابد للخوف ويشعلون الشموع أمام الظلم، ثم يمشون في الأسواق وقد حجبوا الأذناب بالجوخ والحرير".


والمرأة حاضرة في حياة الريحاني. عرف صداقات أُنثوية كثيرة، بينها شارلوت تلر ابنة نائب في الكونغرس، ثم برثا كايس التي تزوجها في العام 1916 وكانت جميلة وكاتبة ورسّامة. زاملت ماتيس وسيزان وبيكاسو وعرضت في باريس ولندن. زارت ضريحه في العام 1953 في الفريكة. تمنّت أن تُدفن إلى جانبه، وعادت بعد سنوات رمادًا في زجاجة، ترتاح إلى جانب الأمين. ولعلّ ستّوت الحاج من غرزوز، شقيقة الشاعر المهجري نعمة الحاج، المرأة الذكرى في حياة الريحاني. تعرّف إليها في أميركا وأحبّها، وبعد غرقها في "نهر الأمازون" في رحلة نهريّة كتب لها في العام 1915: "أيتها الزنبقة المدفونة في مياه الغربة كنت بعيدة فأدناكِ مني الموت. أحببتك حبًّا روحيًّا، وروحك لا تزال رفيقتي. كلّما رأيت مرجانة صبوتُ إلى ثغرك".


هذا الأدب أسماه الأمين "الشعر المنثور". في العام 1910 كتب: "هذا الشّعر الحرّ الطّليق آخر ما وصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج (الإنكليز والأميركان). شكسبير أطلق الشعر الإنكليزي من قيود القافية، ووالت ويتمان أطلقه من قيود العروض".


واقعي، ناقد، ثائر، رحّالة، شاعر، رسّام ومفكّر، حمل روح الشرق، صادقه الملوك والأمراء، مهّد الطريق أمام شركات النفط الأميركية لإخراج الإنكليز من الشرق، إيمانًا منه بمبادئ الديمقراطية الأميركية وبضرورة محاربة الاستعمار!. كان له دور بتأسيس "المملكة العربية السعودية"، شخصية غنيّة، وفكر بين واقعية التراب وزرقة سماء صنّين.


قبل كلّ غروب كان يرنو إلى أعالي جبال صنين، المشرفة على بيته في الفريكة ويتلو صلاة "النجوى": "يا ذا الجلال الأزلي ألحفني بشيء من جلالك. ابعث منها في قواي. أيها الينبوع السرمدي لا تُبعدني عن ينابيعك". ويردّد كلام الله: "أنا مبدأ الحياة الأزلية وروحُ الحب ونورُ الحكمة فيك".


يسأل معلّم الضيعة، الولد الصغير أمين الريحاني، مشيراً بإصبعه إلى نقطة على خارطة الجغرافيا: "ما هذا يا أمين؟"، ويردّ الأمين بسرعة: "هذا إصبع وسخ على خريطة العالم!".


من مؤلّفات "فيلسوف الفريكة"