في التاريخ كما في السياسة، لا تعني الفرص المواتية شيئًا إذا لم تُقابل بقرار حاسم. وأكثر ما يُهدد المجتمعات في لحظات الضعف هو غياب النخبة التي تجرؤ على اتخاذ موقف واضح والمجازفة بالحقيقة. ولبنان في ثمانينيات القرن الماضي قدّم نموذجًا صارخًا لكيفية تحوّل التراخي في اتخاذ قرارات جريئة إلى فتح الأبواب أمام عودة الاحتلال، هذه المرة من داخل النظام وتحت شعار "الشرعية".
عقب خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، بقرار دولي وتحت ضغط المدفعية الإسرائيلية، كانت القيادات السنية الخاسر الأكبر، إذ فقدت المظلّة التي كانت توازن نفوذ القوى الأخرى. ومع تراجع دور ياسر عرفات، استغل النظام السوري هذا الفراغ لبسط سيطرته على القرار السني، بدءًا من بيروت الغربية.
لم يكن الانسحاب الفلسطيني من لبنان عام 1982 حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية أطلقت دينامية جديدة على المستوى الإقليمي، وفتحت نافذة غير مسبوقة أمام اللبنانيين لإعادة بناء دولتهم ومؤسساتهم على أسس السيادة والاستقرار. للمرة الأولى منذ سنوات، بدا أن هناك تقاطعًا نادرًا بين مصالح قوى إقليمية ودولية كبرى، يسمح للبنان بأن ينتزع موقعًا مستقلًا، وأن يرسّخ سلطته المركزية في ظل تراجع نفوذ التنظيمات المسلحة.
كانت تلك اللحظة بمثابة فرصة دولية حقيقية: دعم أميركي وغربي واضح، قبول ضمني من أطراف عربية بالتسوية وضغط دولي لإنهاء حالة الفوضى الميليشيوية. غير أن الدولة اللبنانية، وعلى رأسها القيادة السياسية آنذاك، أظهرت عجزًا بنيويًا عن التقاط هذه اللحظة التاريخية، فغلب منطق التردد والمساومات الداخلية على منطق القرار السيادي.
لم تُقدِم الدولة على حسم خيارها، بل اختبأت خلف شعارات "الوحدة الوطنية" و"التوافق الداخلي"، بينما كانت القوى الإقليمية تسارع إلى ملء الفراغ. فدمشق، التي رأت في أي مسار استقلالي تهديدًا مباشرًا لموقعها في لبنان، أعادت تثبيت نفوذها عبر أدواتها المحلية، وسعت إلى تعطيل أي محاولة لبناء قرار لبناني مستقل.
في هذا المناخ الرمادي، تسللت طهران إلى الساحة اللبنانية، مستفيدة من تراجع الالتزام الأميركي، خاصة بعد استهداف القوات الدولية في بيروت. وتحول المشهد من فرصة لإعادة تكوين الدولة إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، دفع اللبنانيون ثمنه لعقود لاحقة.
وهكذا، تهاوت المبادرة الدولية، لا بفعل مواجهات كبرى أو نقص في الدعم، بل نتيجة غياب القيادة الحاسمة في الداخل اللبناني. فبدل أن يكون عام 1983 بداية لاستعادة الدولة، تحوّل إلى سنة ضائعة في سجل الفرص التاريخية التي لم تُستثمر، لا لضعف الظروف بل لضعف الإرادة.
ومن هنا، بدأت دمشق تعود إلى بيروت من البوابة الغربية، لا كغزاة بل كـ "شركاء محلّيين". ففي 23 تموز 1983، أنشأ النظام السوري جبهة الخلاص الوطني، التي ضمّت أحزاب الحركة الوطنية، فصائل فلسطينية معارضة لعرفات، "حركة أمل"، والرئيسين رشيد كرامي وسليمان فرنجية. لم تكن هذه الجبهة سوى أداة لاختراق البيئة السنية وتفريغها من خياراتها الاستقلالية، عبر استخدام خطاب "المقاومة" كغطاء لمشروع السيطرة.
تسارعت الأحداث، وجاءت انتفاضة 6 شباط 1984 تحت شعار إسقاط اتفاق 17 أيار، لكنها فعليًا فتحت الباب أمام انهيار ما تبقى من القرار المستقل في بيروت الغربية. إذ تمّت تصفية ميليشيا “المرابطون”، التي مثّلت الامتداد السياسي لعرفات، بعدما تحالفت "حركة أمل" مع الحزب "التقدمي الاشتراكي" عام 1985، بشراكة عسكرية واضحة ومدعومة سوريًا، لتنفيذ هجوم منهجي على مواقع المرابطون.
بـ "مباركة" دمشق، تم القضاء على آخر فصيل مسلح سني خارج الوصاية السورية، لينتقل الصراع على بيروت الغربية إلى منافسة بين حلفاء النظام – أمل والاشتراكي – على النفوذ المحلي.
وفي شباط 1987، وبينما كان القتال بين الطرفين يحتدم، دخلت القوات السورية إلى بيروت الغربية، لا كقوة احتلال، بل تحت لافتة "الإنقاذ"، وبطلب من قيادات سنية أبرزها سليم الحص، رشيد كرامي، والمفتي حسن خالد، الذين استنجدوا بدمشق لإنهاء الفوضى.
لكن دمشق لم تكن تنفّذ مهمة موَقتة، بل مشروعًا طويل الأمد. وفي عام 1989، اغتيل المفتي حسن خالد، الذي كان يسعى لرأب الصدع داخل البيت السني وإعادة إطلاق حوار وطني جامع. ومع اغتياله، إلى جانب رحيل رشيد كرامي، وغياب صائب سلام القسري، خلت الساحة السنية من أي مرجعية سياسية سيادية. وهكذا، دخلت الطائفة السنية مرحلة شلل سياسي، بعدما كانت لعقود مركزًا للتوازن الوطني.
توقّفت الأعمال الحربية باتفاق الطائف عام 1989، الذي أرسى نظامًا جديدًا برعاية سعودية-سورية، وأعاد توزيع السلطة بين "الرؤوس الثلاثة". وفي هذا السياق، برز رفيق الحريري بدعم من التسوية المعروفة بـ"س-س"، التي أعادت الحضور السني في رئاسة الحكومة، لكن ضمن سقف التفاهمات التي كرّسها النظام السوري.
اليوم، وبينما تتجدد الفرصة الدولية لقيام دولة ذات سيادة فعلية وتجريد الساحة اللبنانية من كل سلاح غير شرعي – من المخيمات إلى "حزب الله" – يجب ألا نكرر تجربة 1982-1983، من منطلق الفرص لا تنتظر ولا تعود مرتين.
فإما أن يُتخذ القرار في أوانه، أو نُحكم بمن اختار أن يقرّر بدلًا عنّا.