يعود الكاتب والمخرج والممثل جو قديح إلى خشبة المسرح مساء هذا السبت بعد غياب فرضته أسباب مختلفة، من خلال عرض مسرحيّ جديد بعنوان "القصة كلّها"، سيقدّمه على "مسرح كازينو لبنان"، وسط ترقّب عشّاق المسرح اللبناني الذين عرفوه بأسلوبه الجريء، الصادق والساخر في آنٍ معًا.
"تراكمات السنوات الأخيرة لم تكن سهلة. الوضع اللبناني المأسوي، وكل ما شهدناه من الثورة، إلى انفجار مرفأ بيروت، وخسارة أموالنا في المصارف، وصولًا إلى جائحة كورونا، فالحرب الأخيرة… كلّ هذه الأزمات حفرت في داخلي شيئًا ما، دفعني إلى الكتابة"، يقول المسرحيّ جو قديح لـ "نداء الوطن"، ويتابع: "بدأت أكتب، وصارت الأفكار تتوالد. حاولت أن أنسجها مع بعضها... كتبتُ كثيراً إلى أن وصلت إلى مسوَّدة نَص فقلت في داخلي: هذه هي. ستكون الحجر الأساس".
يكشف قديح أنّ أحداث "القصة كلّها" تدور حول زيارة افتراضية إلى معالج نفسي، يستعرض في خلالها طفولته، وعلاقته بأهله وإخوته، ويسرد ذكريات شخصية ووطنيّة بأسلوب طريف وإنساني، مرورًا بأزمات لبنان الاقتصاديّة والصحيّة والاجتماعيّة. كما سيتناول في نهاية العرض أمرًا خاصًّا سيكتشفه الجمهور الحاضر مساء السبت المقبل في 28 حزيران الجاري.
وحده مع بيانو
رغم الطابع الكوميدي الذي يشتهر به قديح في أعماله المسرحيّة السابقة، إلا أنّ عرضه الجديد لا يُصنَّف ضمن المسرح الكوميدي السهل أو التجاري، إذ يعتمد فيه أسلوب الكوميديا السوداء المستندة إلى وقائع درامية. ويضيف: "هي كوميديا نعم، لكن في داخلها علامات استفهام كثيرة. أطرح أسئلة تترك أثرها في ذهن المتفرّج، لا مجرّد تهريج وضحك سطحي". ويتابع شارحًا: "النَّص مكتوب بالكامل، لكنّ التفاعل الحيّ مع الجمهور أساسي، لأنّ الهدف بناء علاقة صادقة مع الجمهور الحاضر، لذا ثمّة مساحات دائمة للارتجال خلال تقديم العرض المسرحي على الخشبة".
ويلفت قديح إلى أنّه يقدّم العرض منفردًا على المسرح، لكن يرافقه العازف بسّام شليطا على آلة البيانو. ولا يقتصر دور شلّيطا على تقديم الموسيقى، بل يتحوّل إلى مُحاور من نوع خاص. يوضح المسرحي المخضرم: "الموسيقى في عملي الجديد ليست خلفيّة فقط، بل هي شريك. تردّ، تُعلّق، وتوجّه العرض دراميًا، فيولد بينها وبين النَّص حوار تنشأ عنه لحظات سحريّة سيعيشها الجمهور".
ردّ فعل
من جهة أخرى، يرى قديح أنّ "المسرح يعيش اليوم ردّ فعل اجتماعي في ظل انحدار الشاشة والسينما على حساب العزلة المنزلية التي فرضها صعود نجم المنصّات الإلكترونية. لكنّ الناس باتت مشتاقة للتماس الفنّي المباشر، كالمسرح. لكن رغم ذلك، لا أحد يعرف متى سيعود المسرح بكامل قدراته وإمكاناته ليأخذ مكانه بين الفنون المشهديّة الأخرى". ويضيف: "جيلنا كان يقرأ على ضوء الشمعة. كان يؤمن بالكلمة. أما اليوم، الجيل الجديد يعيش على الشاشة، فبقي المسرح مساحة للعمق، وسط سطحية وسائل التواصل".
نسأله عن توصيف البعض لنصوصه وأعماله المسرحيه بـ "الصادمة"، فيجيب: "أنا لا أقدّم عروضًا صادمة، بل أتناول مواضيع قد يخاف البعض من الاقتراب منها، كالموت مثلاً، أو بعض المفاهيم الاجتماعيّة الحسّاسة. لكنني أطرحها بصدق، لا بقصد الصدمة أو الإهانة". ويرى قديح أنّ الخطوط الحمراء الحقيقية ينبغي أن تكون نابعة من الاحترام، لا من الرقابة أو القمع: "اليوم، من يرفعون شعار حرّية التعبير هم أول من يفرض الخطوط الحمراء. بينما نحن، جيل ما بعد الحرب، كانت حدودنا أخلاقية، لا أيديولوجية".
المرض والفرح
صحيح أنّ الأسباب التي ذكرها جو قديح وأدّت إلى ابتعاده عن تقديم أعمال مسرحيّة جديدة في السنوات الماضية، منطقية وواقعية، لكنّ سبباً آخر خاص به، هو إصابته بمرض السرطان واكتشافه في مرحلة متقدّمة. وبعد أن أجرى عمليّة جراحيّة وتلقّى العلاج المناسب، لا يزال اليوم في طور المتابعة والمراقبة الصحية. "أنا أعيش حياتي بإيجابية، فكلّ يوم مع أسرتي هو فرح بالنسبة لي، وكلّ لحظة تستحق أن تُعاش"، يقول قديح، ويتابع: "خلال غيابي عن المسرح، لم أتوقّف عن العمل. قرأتُ كثيراً، وأعدت عرض مسرحيات قديمة، ووضعتُ كتبًا، وعرضت لوحاتي ورسوماتي الفنية. وحاليًا أنا بصدد إصدار كتاب جديد بعنوان "جوزيف ق." أتناول فيه واقع الأسرة اللبنانية وتحوّلات المجتمع تحت تأثير قيم دخيلة، لا تشبهنا ولا تشبه الإنسانية. كما أعمل على تأسيس مساحة جديدة تكون بمثابة ملتقى مسرحي، تتضمن مسرحًا وصفوفًا لتعليم التمثيل".
القصّة كلّها جو قديح يقدّم العرض المسرحيّ "القصة كلّها" على "مسرح كازينو لبنان" في عرض وحيد، الساعة 9:00 مساء السبت 28 حزيران 2025. إنتاج الياس دياب، مع مساهمات فنّية لكلّ من ميرنا مكرزل، ساندرا زغيب، وإلسي بدّور. ساعد في الإخراج باتريك جحا، وأضاف أصدقاء كثر لقديح لمساتهم الإبداعية على العمل، الذي من المتوقّع بعد عرضه الأول في "الكازينو" أن يُقدّم في تواريخ لاحقة في أماكن مختلفة.
ملصق العرض المسرحي
يعتمد في "القصة كلّها" الكوميديا السوداء
تراكمات السنوات الأخيرة لم تكن سهلة
يتحوّل العازف بسّام شلّيطا إلى مُحاور من نوع خاص |



