في ظلّ صمود وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران لليوم الثاني تواليًا أمس، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تخطط لإجراء محادثات مع طهران الأسبوع المقبل، مشيرًا في الوقت عينه إلى أنه لا يعتقد أنه من الضروري التوصل إلى اتفاق مع إيران، في حين كان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف قد كشف أن هناك محادثات مباشرة وغير مباشرة بين بلاده وطهران وصفها بـ "الواعدة"، آملًا في التوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد ينهض بإيران. وجزم ترامب بأن إدارته لم تتراجع عن سياسة "الضغوط القصوى" التي تنتهجها مع إيران، لكنه أشار إلى احتمال تخفيف تطبيق العقوبات لمساعدة البلاد على إعادة البناء، بعدما كان قد أكد الثلثاء أن الصين يمكنها مواصلة شراء النفط الإيراني.
وأعرب ترامب عن ثقته في أن الصراع بين إسرائيل وإيران قد انتهى لأنهما "متعبتان ومنهكتان"، معتبرًا أن الضربات الأميركية كانت السبب في إنهاء الحرب، وقارنها باستخدام أميركا للقنابل الذرية لقصف هيروشيما وناغازاكي في اليابان الذي أنهى الحرب العالمية الثانية، إلا أنه لم يستبعد بشكل مطلق امكانية تجدّد النزاع قريبًا.
وبعدما أماطت تقارير صحافية أميركية اللثام عن تقييم مبدئي لوكالة الاستخبارات التابعة للبنتاغون يفيد بأن مسار إيران نحو صنع سلاح نووي ربّما يكون قد تأخر لأشهر فقط من جرّاء الضربات الأميركية، ما يُعزز، في حال تأكيد دقة التقييم، احتمال تجدّد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني، شن ترامب حملة شرسة على الوسائل الإعلامية التي تتداول هذا التقرير، مؤكدًا أن البرنامج النووي الإيراني قد تعرّض لأضرار جسيمة وتراجع "عقودًا، لأنني لا أعتقد أنهم سيكرّرونه قط"، لكنه توعّد بأن بلاده ستضرب إيران مجدّدًا إذا أعادت بناء برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
في السياق، نشر البيت الأبيض بيانًا من هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية يُقيّم أن البرنامج النووي الإيراني قد تراجع "سنوات عديدة"، ولاحقًا، ذكر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باسم هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية أن "الهجوم الأميركي على منشأة فوردو النووية الإيرانية دمّر بنيتها الحيوية وجعلها غير صالحة للاستخدام"، مشيرًا إلى أن "الإنجاز الذي حققناه سيبقى قائمًا ما لم تحصل إيران على إمكانية الوصول إلى مواد نووية". واعتبرت "القناة 12" الإسرائيلية أن بيان مكتب نتنياهو "يحاول، بأدب، عدم مناقضة كلام ترامب، ويكتب أن البنية التحتية الحيوية دُمّرت، لكن ليس الموقع بأكمله"، موضحة أنه "بحسب البيان، فإن هناك تأخيرًا لسنوات، لكن إذا حصلت إيران على اليورانيوم، فهذا يعني أن الضرر لن يستمرّ لسنوات". ولاحقًا، حسم رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن البرنامج النووي الإيراني تعرّض لضربة قاسية وأُعيد "سنوات إلى الوراء"، كاشفًا أن قوات كوماندوز نفذت عمليات في عمق الأراضي الإيرانية خلال الحرب الأخيرة.
في الغضون، شكّك نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ووزيرَي الخارجية ماركو روبيو والدفاع بيت هيغسيث في صدقية تقييم استخبارات البنتاغون، بحيث اعتبر فانس أنه "كان بوسع إيران قبل أسبوع أن تصنع بسهولة سلاحًا نوويًا، لكنها الآن عاجزة عن ذلك"، مشيرًا إلى أن "إيران تعرف حاليًا أن هناك عواقب وخيمة لإعادة تفعيل برنامجها النووي". ورأى أن "ترامب دمّر برنامج إيران النووي ويبدو أن وسائل الإعلام الأميركية التي تشكّك في ذلك ستفقد صدقيّتها". وأوضح هيغسيث أنه "عند التدقيق في التقرير، وهو بالمناسبة تقرير سري للغاية، فهو تقرير أولي، ونسبة الثقة فيه ضعيفة... هناك دافع سياسي هنا"، لافتًا إلى أن مكتب التحقيقات الفدرالي يحقق في تسريب محتمل للتقييم.
وجزم روبيو بأن طهران باتت أبعد أكثر من أي وقت مضى عن السلاح النووي، معتبرًا أن التقارير التي تقلّل أهمية الأضرار التي تعرّض لها البرنامج النووي الإيراني كاذبة ولا تعكس الصورة الكاملة للواقع. وأشار إلى أن ترامب يرى أن تغيير النظام في إيران مرجّح في حال تمسّك الملالي في طموحاتهم النووية، فيما اعتبر نتنياهو أنه "من المهمّ زعزعة استقرار النظام الإيراني، ولو كانت هناك تقديرات تشير إلى أن ذلك ممكن، لكنا واصلنا الحرب"، لافتًا إلى أن "مثل هذا التغيير يجب أن يأتي من الداخل".
في المقابل، نقلت قناة "الجزيرة" عن المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي تأكيده أن الضربات التي شنتها أميركا ألحقت أضرارًا كبيرة بالمنشآت النووية الإيرانية، بينما صادق نواب البرلمان الإيراني على المبادئ العامة والتفاصيل لمشروع قانون يقضي بتعليق تعاون طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ستعلّق تعاونها مع الوكالة الذرية حتى يجري ضمان أمن المنشآت النووية، متوعّدًا بأن إيران ستواصل برنامجها النووي بوتيرة أسرع. وحسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي "أن لا أحد في إيران سيتخلّى عن البرنامج النووي"، موضحًا أنه "لقد أظهرنا التزامنا بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لسنوات، لكن هذه المعاهدة لم تتمكّن من حماية برنامجنا".
إلى ذلك، ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن قائد مركز القيادة في "الحرس الثوري" الإيراني علي شادماني توفي متأثرًا بجروح لحقت به خلال الغارات الإسرائيلية على إيران، مشيرة إلى أن مركز القيادة لـ "الحرس" توعّد "بردّ قاس" على مقتله. وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في 17 الحالي أنه قتل شادماني الذي وصفه بأنه "رئيس الأركان وأعلى قائد عسكري في إيران".