حذر المسؤولون الأميركيون، تل أبيب، من اجتياح غزة ورفع سقف أهداف الحرب إثر عملية "طوفان الأقصى" لتجنب الدخول في "حرب أبدية"، كما يصف السياسيون الأميركيون حربَي أفغانستان والعراق، إلّا أن حجم الصدمة التي تلقاها الوعي الجماعي الإسرائيلي من جرّاء ما استطاعت "حماس" تنفيذه، جعل حكومة نتنياهو تستبعد خوض المعركة مع الحركة من دون اجتياح بري للقطاع بهدف "القضاء" على "حماس" كقوة عسكرية وسلطة حاكمة في غزة، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه عبر حملة جوية فقط، فضلًا عن استعادة الرهائن، وضمان ألّا تشكّل غزة خطرًا على الأمن القومي الإسرائيلي مستقبلًا. ولكن، بعد أكثر من 20 شهرًا من بداية الحرب، لا تزال إسرائيل بعيدة عن تحقيق تلك الأهداف، التي ترفض "حماس" الاستسلام لها بشكل قاطع، وباتت عالقة في حرب استنزاف من دون نظرية انتصار قابلة للتنفيذ بالقوة العسكرية.
تمكّنت إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر أن تحقق نجاحات عسكرية تاريخية قلبت موازين القوى في الشرق الأوسط، فقد حيّدت "حزب الله" بمزيج من الخرق الاستخباراتي العميق وتصفية القيادات وتدمير البنية التحتية العسكرية، فضلًا عن اجتياح بري محدود النطاق والأهداف، التي لم تشمل "القضاء" على "الحزب"، ما مكّنها من تعطيل قدرة الأخير على تشكيل خطر عليها بوقت قصير وبخسائر قليلة من جانبها، رغم أنها كانت تعتبره أقوى أذرع إيران في المنطقة. كما استطاعت تل أبيب أن توجّه لطهران أقوى ضربة تتلقاها منذ الحرب العراقية - الإيرانية عبر اعتماد استراتيجية وتكتيكات عسكرية مشابهة إلى حدّ بعيد لما اعتمدته مع "حزب الله"، فضلًا عن أنها وضعت أهدافًا محدّدة وقابلة للتحقيق بالقوة العسكرية لحربها مع إيران لم تشمل تغيير نظام الملالي.
بعدما توصّلت إسرائيل وإيران إلى اتفاق وقف النار هذا الأسبوع، اعتبر نتنياهو أن الضربة التي تلقتها طهران خلقت فرصة لتوسيع نطاق اتفاقات السلام بشكل كبير، بينما أفادت صحيفة "إسرائيل هيوم" بأن نتنياهو والرئيس ترامب اتفقا هاتفيًا هذا الأسبوع على إنهاء سريع للحرب في غزة، ربّما خلال أسبوعين، في إطار صفقة شاملة تدعم إسرائيل بموجبها حل الدولتين مستقبلًا، ما تعتبره السعودية شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام مع إسرائيل. في المقابل، تستعيد تل أبيب الرهائن، ويُنقل من تبقى من قيادات "حماس" إلى دول أخرى، وتعترف أميركا ببعض السيادة الإسرائيلية على مناطق في الضفة الغربية، بالإضافة إلى توسيع "اتفاقات أبراهام".
ولكن تصطدم تلك التقارير وطموحات إسرائيل في استثمار انتصاراتها العسكرية في المنطقة سياسيًا، بالوقائع الميدانية المأسوية في غزة وبرفع تل أبيب سقف أهداف الحرب في القطاع، إذ منذ انهيار الهدنة القصيرة الأخيرة في آذار الماضي، بات واضحًا أن أهداف الحرب أصبحت تشمل أيضًا أن تتمتع إسرائيل عند نهاية الحرب بـ "سيطرة أمنية كاملة على غزة"، حسب نتنياهو، الذي تبنى كذلك مرارًا الخطة التي طرحها ترامب القاضية بترحيل الغزيين.
وتعكس العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة في الأشهر الأخيرة هذا التوجه، حيث سيطر الجيش الإسرائيلي بأعداد كبيرة على معظم القطاع، مكثفًا حملة تدمير البنى التحتية في مناطق واسعة أمر بإخلائها من الغزيين، الذين أضحوا محشورين في مناطق تزداد ضيقًا، فضلًا عن سيطرة إسرائيل على توزيع المساعدات الإنسانية عبر "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة أميركيًا، والتي تعرّض مئات الغزيين للقتل خلال محاولتهم الحصول على مساعدات من مراكزها.
على الرغم من محاولة إسرائيل العلنية إيجاد دول تستوعب الغزيين، لا يبدو أن جهودها في هذا الإطار ستثمر النتيجة المرجوة، إذ من الصعب إقناع دولة أو عدة دول باستضافة أعداد كبيرة من الغزيين لعدة اعتبارات أمنية وسياسية وديموغرافية. كما أن هدف القضاء على "حماس" لا يزال بعيد المنال، إن كان أصلًا قابلًا للتحقيق بالقوة العسكرية. فعلى سبيل المقارنة، أميركا تكبّدت خسائر موجعة من الناحيتين البشرية والمادية في حربَي العراق وأفغانستان، اللتين استمرّتا لسنوات طويلة وكانت إحدى أهدافهما تغيير النظام في البلدَين، لكن ما إن انسحبت معظم القوات الأميركية من العراق حتى عادت القوى التي كانت تقاتلها سابقًا لتسيطر على مساحات واسعة من البلاد على شكل "داعش"، كما عادت "طالبان" إلى الحكم في أفغانستان بعد 20 عامًا من الوجود الأميركي.
لا تزال "حماس" تسيطر على جيوب في القطاع وتستمرّ في تنفيذ عمليات ضدّ القوات الإسرائيلية تؤدّي إلى قتل وإصابة جنود عبر فرق مكوّنة من بضعة عناصر، خصوصًا من خلال زرع عبوات ناسفة والقنص. كما أنها لا تزال ممسكة بـ 50 رهينة إسرائيلية، 20 منهم فقط على قيد الحياة. ورغم محاولة إسرائيل دعم جهات معادية لـ "حماس" في غزة، لا يبدو أن هناك جهة منظمة كفاية وتتمتع بالشعبية اللازمة لإطاحة الحركة.
في حال أصرّت إسرائيل على أهداف الحرب التي وضعتها وفشلت مساعيها لتهجير الغزيين، من المرجّح أن تستمرّ الحرب في غزة لفترة طويلة من دون نهاية واضحة وحاسمة، الأمر الذي لن يشكّل عائقًا أمام توسيع اتفاقات السلام بين إسرائيل وجيرانها فحسب، بل من شأنه أيضًا أن يفاقم الانقسامات الداخلية الإسرائيلية، إذ استحالت حرب غزة نقطة خلافية في إسرائيل، عكس شبه الاجماع الذي عرفته الأخيرة في حربَيها على "حزب الله" وإيران.
أمّا على الصعيد الدبلوماسي، فصحيح أن دولًا غربية عديدة، خصوصًا أوروبّية، كثفت ضغوطها على إسرائيل بشكل كبير لوقف حرب غزة، إلّا أن الضغط الخارجي الوحيد الذي قد يؤثر على تل أبيب هو الضغط الأميركي. ولكن، من غير المرجّح أن يحصل ذلك بشكل فاعل، إذ يشير رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" ألوف بن إلى أن إدارة ترامب تعتمد إلى حدّ بعيد السياسة التي اتبعتها أميركا تاريخيًا مع إسرائيل والقاضية بتقييد طموحات الأخيرة الإقليمية عندما تتعارض مع المصالح الأميركية، ومنح تل أبيب حرّية تصرّف في المسألة الفلسطينية.