أيقظ التفجير المقيت الذي أدمى كنيسة مار الياس في حي الدويلعة في دمشق المخاوف الراكدة في أعماق نفوس مسيحيي سوريا الجديدة، المتوجّسين من حكم "الجولاني السابق" وأترابه. فالمشهد السوداويّ الذي تمثل في تفجير انتحاري نفسه في الكنيسة بعد إمطاره المؤمنين بالرصاص، متسبّبًا في مقتل وجرح عشرات المسيحيين الأبرياء، هزّ سكينة الحي المسيحي الآمن والمسالم، والذي نَعِم طوال فترة الثورة ثمّ الحرب السورية الأخيرة بأمان نسبي، إذ نجح المسيحيون آنذاك في تحييد أنفسهم عن حلبة الصراع بين الأسد الفار والثائرين ضدّه.
ولطالما دار مسيحيو سوريا في الماضي في فلك النظام العلوي السابق، بحكم أنهم أقلية متوجّسة كنظام الأسد من البحر السني المحيط بهم، لذلك آثروا في حينها التودّد والاقتراب من النظام الذي كان يوفّر لهم ملاذات أمنية واقتصادية، وإن يكن النظام البائِد بطبيعة الحال ليس متيّمًا عمومًا بالمسيحيين، الذين عانوا الأمرَّين من ارتكاباته ومجازره خلال الحرب الأهلية في لبنان وبعدها.
من يقف خلف الهجوم؟
إذا أردنا أن نعدّد فرضيّات للجهات التي قد تكون وقفت خلف الهجوم، الذي تبنّته ما يُعرف بـ "سرايا أنصار السنّة"، لا بدّ أن ننطلق من أن أجهزة الدولة السورية الوليدة "مخترَقة حتى العظم" بجماعات سلفية كانت توصف بالإرهابيّة، ولا سيّما بعد انضواء عناصر متطرّفة في صفوف قوات الأمن السورية، تحت لواء ما يُعرف بـ "سياسة دمج المقاتلين الأجانب"، لا بل منح بعض هؤلاء القادة الأجانب رتبًا عسكرية، بمباركة غربية، خصوصًا أميركية، وإن كانت على مضض. وبالتالي، يمكن أن يعبّد هؤلاء العناصر النظاميون الطريق لعناصر متطرّفة لاقتراف مثل هذه الأعمال، أو في الحدّ الأدنى غضّ الطرف الأمني عنهم، ما يتيح لهم تنفيذ مآربهم الإجرامية، بحق مصلّين ذنبهم الوحيد أنهم يؤدّون شعائرهم الدينية المسالمة وصلواتهم، وهم المتجذّرون في سوريا منذ مئات السنين.
وإذا كانت قوات الشرع مدجّجة بمقاتلين متطرّفين، فإنّ أصابع الاتهام يمكن أن تتّجه أيضًا نحو فلول النظام السوري البائِد التي يطيب لها أيضًا أن تستخدم المصلّين المسيحيين وقودًا لصراعها مع قوات الشرع، وهي ترنو إلى بثّ الفوضى في سوريا، على أمل إيجاد موطئ قدم جديد لها، خصوصًا أنه لم يتبقَ لها شيء لتخسره.
كذلك، لا يمكن أن نغفِل توقيت تفجير الكنيسة الذي أتى بعد ساعات قليلة من شنّ الولايات المتحدة ضربات قاصمة على ثلاث منشآت نووية إيرانية، كانت كفيلة بوضع حدّ لحرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل وإيران. فقبل ذلك، توعّدت طهران واشنطن، بحسب تقارير أميركية، بتحريك خلايا نائمة في الولايات المتحدة، في حال دخولها حلبة الصراع الإيراني - الإسرائيلي، وبما أن نظام الملالي ممتعض من واقعة أن "سوريا الشرع" باتت تدور في "الفلك الترامبي"، يمكن أن يكون بادر إلى توجيه رسالة دامية وموجعة إلى سوريا الجديدة "صديقة الولايات المتحدة"، كذلك تكون الجمهورية الإسلامية حاولت نقل الحرب من أرضها إلى أرض الآخرين.
جذورهم ضاربة في أعماق التاريخ
في المحصّلة، فإنّ تفجيرًا كهذا استهدف بشكل مباشر المسيحيين في عقر كنيستهم، وهم القلقون على مستقبلهم في وطنهم سوريا، يُعدّ الأوّل من نوعه منذ تسلّم الرئيس أحمد الشرع زمام السلطة قبل نحو ستة أشهر، وأدخل بلا شك الخوف إلى نفوس المسيحيين وإلى ذاكرتهم الجماعية، التي لم تتخطَ بعد أحداث الساحل السوري الدامية، والتي راح ضحيّتها قبل أشهر العديد من العلويين وبعض المسيحيين.
وهذا الهجوم الذي أصاب المسيحيين، سيؤرق حتمًا العلويين، كما الدروز الذين يرفضون التخلّي عن سلاحهم وتسليمه إلى القوات الأمنية، معتبرين أنه الدرع الواقي لهم من أي هجمات قد يشنّها متطرفون يرتدون الزي العسكري الرسمي على مناطقهم. وهنا لا بدّ للشرع نفسه، بحسب دروز سوريا، أن يطمئنهم فعليًا وليس كلاميًا فقط، قبل أن يطلب منهم تسليم سلاحهم.
ويبقى على السلطات السورية الجديدة، التي تتحمّل على أرض الواقع المسؤولية المباشرة عمّا أصاب كنيسة دمشق، وإن أرادت حقًا أن تسير في ركب التطوّر والانفتاح على العالم الغربي، أن تضرب بيد من حديد لمنع الآخرين من الاستثمار في الفوضى، وأن تحمي مختلف الطوائف في البلاد، خصوصًا الأقليات منها، وألا تعاملهم كـ "مواطنين درجة ثانية"، وأن تشركهم في الحياة السياسية، باعتبار أن جذورهم وبذورهم ضاربة في أعماق التاريخ السوري. ولعلّ انتقاد البطريرك يوحنا العاشر يازجي اللاذع للشرع وقوله له "عزاؤكم الهاتفي لا يكفينا"، خير دليل على الغبن والتهميش اللاحقَين بالمسيحيين في سوريا الجديدة، وعلى اتّساع الهوة بين "سوريا الشرع" والمسيحيين القلقين على مستقبلهم.