ريتا عازار

أزياء مسرحية تهمس بما لا يُقال

لاكروا يكتب سيرة الخشبة بالإبرة واللون

7 دقائق للقراءة

في عالمٍ تتلاشى فيه الحدود بين الحقيقة والخيال، ينهض المسرح كمرآةٍ للحياة تُصقلُ عليها الهويّات وتُروى القصص. وفي قلب هذا العالم الساحر، يقف كريستيان لاكروا، كحكّاءٍ ينسج الحكاياتِ بالخيوط، ويُعيدُ تشكيلَ الزمنِ بالأقمشة. لم يدخل لاكروا إلى المسرح مصادفةً، بل لأنّ المسرحَ كان يسكنه منذ الطفولة، كملاذٍ من ضجيج الواقع. وبين طيّات «الدانتيل» وصرامة «الكورسيه»، بين ظلال الأوبرا وأناقة الباليه، صنعَ لنفسهِ عالمًا موازيًا: أكثر صدقًا، أكثر خيالًا.



في معرض «كريستيان لاكروا على المسرح»، يدخل المُشاهد إلى هذا العالم الموازي حيث تتحوّل الأزياء إلى شخوص، وتُصبح التفاصيل الجمالية جسرًا نحو الذاكرة، نحو الطفولة، نحو الحلم. هنا، لا يتمّ اكتشافُ فنّان فقط، بل يتعرّف الزوار إلى رؤيةٍ فلسفيةٍ للعرض، للجسد، للثقافة، وللفنِّ كوسيلةٍ بصريّةٍ تُقاومُ النسيان.

فالمعرض، إلى كونه تأريخًا لمسيرةٍ مهنيّةٍ امتدّت أربعةَ عقود، هو أيضًا تأمّلٌ عميقٌ في معنى التمثيل، وفي الهويّة المتحوّلة، وفي الجمالِ الذي يولدُ من الهشاشة. بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، تهمس الأقمشةُ بقصصٍ لم تُروَ بعد، وتدعو المشاهدَ للإصغاءِ لا بالعين فقط، بل بالقلبِ أيضًا.



شغفٌ مبكّرٌ بالأزياءِ المسرحيّة

لم يكن كريستيان لاكروا يطمحُ في الأصل لأن يكون مصمّمَ أزياءٍ راقية. فقد كان شغفُه الأول، منذ الطفولة، هو زيّ المسرح. في أحد «البودكاستات»، صرّح قائلًا: «الزيُّ المسرحيُّ هو ما يدفعني منذ الطفولة، أكثرَ بكثيرٍ من الموضة (...) كانت الحياة الحقيقية بالنسبة لي تبدأ في قاعة العرض (...) كنت أشعر بمللٍ عميق، وكانت تلك العروض ملجأي». ويضيف أنّه طالما حلمَ بعبورِ المرايا، مثل «أليس في بلاد العجائب»، هاربًا من قيودِ الحياةِ اليوميّة. هذا الافتتان بالمسرح ظلّ الخيطَ الناظمَ لحياته.



مصمّم أزياءٍ «بالصدفة»

بشكلٍ مفاجئ، يصفُ لاكروا نفسه بأنّه مصمّمُ أزياءٍ بالصدفة. ففي عرضٍ تقديميّ بـ «SCAD Lacoste»، قال: «كنتُ مصمّمَ أزياءٍ بالصدفة (...) كنتُ متعلّقًا بالهروبِ عبر الأفلامِ والمسرحِ من الواقع. لم أحبّ الحياةَ الواقعية، لذلك أردتُ أن أكونَ مصمّم أزياء مسرحي». ويُوضح أنّ عالم الموضة فُرِض عليه، بينما يرى في الأزياءِ المسرحيّةِ مهنته الحقيقية، ويؤكّدُ أهميّة البحثِ التاريخي، موضحًا أنّه كان يُدمجُ بين الجنس والمكان والعصر لصناعةِ أزياءٍ، من دون إنترنت، فقط بالاعتمادِ على الكتب.



«جائزة موليير» و «الإبرة الذهبيّة»

حتى قبل إطلاق مجموعته الأولى في العام 1987، كان لاكروا معروفًا بتصميماته المسرحية. حصل على «جائزة الإبرة الذهبية» (Golden Thimble Awards) عامي 1986 و1988، كما فاز بـ «جائزتَي موليير لأفضل تصميم أزياء»، الأولى في العام 1995 عن «فيدر»، والثانية في 2007 عن «سيرانو دي بيرجوراك» في «الكوميدي فرانسيز».



كسب ثقة الفنانين

«لم يكن الانتقال من عالمِ الموضة إلى المسرح سهلًا»، هذا ما قالته مصمّمة الرقص دلفين بينازا لصحيفة «The Guardian». ويقول لاكروا: «في البداية، كانت الممثلات يكرهنني، يكرهنني فعلاً. لكن تدريجيًا فهمنَ أنّ «الكورسيه» يمنحُ قوّةً حقيقيّة». وفي البداية، اشتكت راقصاتُ «باليه فيينا» من ضيقِ «الكورسيهات»، لكنهنّ لاحقًا أشدنَ بالأناقةِ اللافتةِ التي أضفاها زيّ لاكروا.



نحو إعادةِ الاستخدام البيئي

يُظهر لاكروا روحًا واضحةً في إعادة التدوير، بخاصة في تصميماته لـ«الكوميدي فرانسيز»: «أكرهُ إنفاقَ المال (...) إعادةُ الاستخدامِ شيءٌ رائع، خصوصًا في «الكوميدي فرانسيز» حيث توجد أرشيفاتٌ من الأزياء لتوظيفها على الممثلين». كان يبتكر أزياء باستخدامِ قطعٍ قديمة، ويُضيف أحيانًا لمساتٍ جديدة، ليمزجَ بين الذاكرةِ الجماعية والدورِ الفردي.



عرضٌ بصريّ بين الشرقِ والغرب

في «باليه النبع - La Source» (2011، «أوبرا باريس»)، جسّدت الأزياء هذا التمازج الثقافي، سارياتٌ قديمة للجواري، «أورغانزا» يابانيّة للحوريات، معاطف بأسلوبِ الدمى الروسية للنساء القوقازيات، وجميعها مُزيّنة بـ«كريستالات سواروفسكي». وقد نُظّم العرضُ بأسلوبٍ يحاكي ورشَ الخياطة، ما أتاح للزوّار استكشاف الأقمشة، والنماذج الأولية، والتصاميم، في مشهدٍ يجمع بين الحرفة التقليدية والمشهد الغامر.



مشهديةٌ غامرة

يقع «CNCS - Le Centre national du costume de scène»، مكان العرض، في ثكنةٍ عسكريةٍ سابقة تعود للقرن الثامن عشر، ما يُضفي طابعًا فريدًا على المعارض. في عرض «النبع»، أُعيد إنشاءُ ورشاتِ عمل «قصر غارنييه»: مناطقُ إلهام، تصاميمُ تمّ تقييمها مع المصمّم جان-غيوم بارت، ونماذجُ أوليّة تم تفكيكها بدقّة.

تأسّس «المركز الوطني للأزياء المسرحية» في العام 2006، وهو أولُ مؤسسةٍ مكرّسة بالكامل لإرث الفنونِ المسرحية. يحتفظُ بأكثر من 7000 زيّ من «الكوميدي فرانسيز»، «أوبرا باريس»، «المكتبة الوطنية الفرنسية»، وغيرها. ويُعدّ معرضُ لاكروا الثالثَ من نوعه المخصص له (بعد 2007 و2012)، ما يعكس التزامه العميق بتعزيز قيمةِ الأزياء المسرحية. من أبرز لحظات المعرض، فقرة ختامية بعنوان «الجنّة والجحيم» يُعرض فيها زيُّ البابا من مسرحية «حياة غاليليو» (2019)، محاطًا بالملائكة والشياطين والهياكل العظمية. مشهديةٌ دراميّة، شبه باروكية، تُبرزُ الخيالَ الطفوليّ الغني لدى لاكروا.



نقل المعرفة

خلال عرضه في «SCAD Lacoste»، شدّد لاكروا على أهميّة الدراسة الإثنوغرافية: «لا يمكن لأيّ مصمّمٍ منافسة الأزياء التقليدية، هذا العملُ يمزجُ بين أفريقيا والنروج، عبر أبحاثٍ حول الأزياء العرقية لتصميم شيءٍ جديد». المعرض في «CNCS» يُجسّد هذا التوجّه: كلُّ زيٍّ مصحوبٌ بمصادر الإلهام، والرسومات، والنماذج، أرشيفاتٌ حقيقية للتعليم. يقترح المعرض برنامجًا ثريًا من الورشات، والمحاضرات، والعروض، والمسارات التعليمية لفائدةِ الشباب، لنقل ثقافة الأزياء وتعزيز المهن الفنية. وهذا يُظهر اهتمام «CNCS» بالتربيةِ الثقافية والفنية المستدامة.



حوار مع الجسد

في عرض «Theme and Variations» لبالانشين (1998، «باليه فيينا»)، تأثّر لاكروا بتحوّلِ الراقصين بعد شهرٍ من التمارين: «في البروفات الأولى كانوا يصرخون من الألم، وبعد شهرٍ أصبحوا أنيقين، يبتسمون ويرقصون». تشهد هذه القصص على قدرته على تصميم أزياءٍ ملائمةٍ تقنيًا، تُعزّزُ الأداء المسرحي.

من المفارقة أنّ لاكروا، بعد أن ودّع عالمَ الأزياءِ الراقية في العام 2009 (بسبب الإفلاس)، يُصرّح اليوم: «نعم، هذه هي مهنتي!. مصمّمُ أزياءٍ مسرحيّةٍ بكلّ كياني». يرى نفسه دخيلًا على عالم الموضة، لكنّه معترفٌ به في تصميم الأزياءِ المسرحيّة، ويعتبر الآن أنّه متصالحٌ مع هويّته الحقيقية.



حين تُصبح الخياطة سيرة

أن يغادر الزوار معرض «كريستيان لاكروا على المسرح»، ليس كمن يُغادر صالة عرض، بل كمن يعودُ من حلمٍ طويل، مشغولٍ بتفاصيله، مثقلٍ بجماله، وممتلئٍ بأسئلته. إذ يكشف لاكروا للزوّار عبر خيوطه وأقمشته، أنّ الفن لا يكتفي بأن يُبهج، بل يُفسّر، يُؤرّخ، ويُصغي إلى ما لا يُقال.

في عالمٍ تتسارع فيه الصور وتتبخّرُ فيه المعاني، يأتي هذا المعرضُ كنوعٍ من المقاومةِ الهادئة، مقاومةٍ للنسيان، للسطحية، وللتكرار. فمن خلال الأزياء، يُعيد لاكروا الاعتبارَ للجسد كمكانٍ للذاكرة، وللمسرح كمختبرٍ للهويّة، وللخياطة كممارسةٍ فكريةٍ وجماليةٍ معًا. ليست هذه فقط رحلةً في أعمالِ مصمّم، بل عبورٌ في تاريخهِ الداخلي، في طفولته، في أهوائه، وفي علاقتهِ المعقّدة بالزمنِ والواقعِ والخشبة. إنّه درسٌ في كيف يمكنُ للمرئيّ أن يكونَ بليغًا، وللصنعةِ أن ترتقيَ إلى رؤية، وللزيّ أن يُصبح سيرةً فنيةً ناطقة. في النهاية، لا يقف الزائر أمام أزياءٍ جميلةٍ فقط، بل أمامَ موقفٍ جماليّ متكامل، يهمسُ له بأنّ كلّ مسرحٍ هو دعوةٌ للعيش، وأنّ كلَّ زيّ هو بدايةُ حكايةٍ جديدة.



* معرض «كريستيان لاكروا على المسرح» في «المركز الوطني للأزياء المسرحيّة» (CNCS)، في مدينة مولان الفرنسية، افتُتح في 5 نيسان 2025 ويستمرّ حتى 4 كانون الثاني 2026، يوميًّا من الساعة 10 صباحًا حتى 6 مساءً. يستعرض هذا الحدث أربعين عامًا من مسيرة لاكروا المهنية، من خلال عرض ما بين 140 إلى 150 زيًّا مسرحيًا، لـ«الباليه» و «الأوبرا» (2007 – 2024)، إضافةً إلى رسوماتٍ وتصاميمَ أوليةٍ وأرشيفات.



زي من "أوبرا"