الياس دمّر

بقايا إمبراطوريّة الأزياء في "The Devil Wears Prada 2"

3 دقائق للقراءة

منذ عشرين عامًا، كانت الحياة أبسط مع هواتف أقل ذكاءً وخيال بشريّ أكثر خصوبة: أخبار تُقرأ على مهل في صفحات الجرائد والمجلّات، لا تُستهلك في تدفقٍ لا ينتهي عبر الشاشات. كان الإيقاع أبطأ والضجيج الرقميّ أخف والواقع أكثر تماسُكًا. في تلك المسافة الزمنية وُلد فيلم "The Devil Wears Prada" كمرآةٍ لامعة لعالم الموضة والإعلام. اليوم، يعود هذا العالم في "The Devil Wears Prada 2"، لكنه لا يعود كما كان بل كظلّ لِما كان عليه.

مع إخراج David Frankel وعودة النجوم Meryl Streep ،Anne Hathaway ،Emily Blunt، وStanley Tucci، لا يسعى الجزء الثاني إلى استعادة بريق الماضي بقدر ما يعمل على تفكيكه. لم تَعُد مجلَّة "Runway" تلك القلعة اللامعة التي تصنع الذوق العام، بل صارت نموذجًا لمؤسّسةٍ إعلاميّةٍ تكافح للبقاء في وجه تحوّلاتٍ رقميّةٍ جارفة. الفيلم يرصد تحوّل الصحافة من سلطة ثقافيّة إلى صناعة محتوى سريع الاستهلاك، حيث لم يعد النفوذ مرتبطًا بالخبرة أو الذوق، بل بعدد النقرات وسرعة الانتشار. كما أن شخصيّة "Miranda Priestly" لم تَعُد الإمبراطورة المُطلقة التي عرفناها. الزمن، وثقافة الشركات الحديثة، وحتى التحوّلات الأخلاقية داخل بيئات العمل، فرضت عليها توازنًا جديدًا. ومع ذلك، تبقى تلك الشخصيّة التي تحاول التشبُّث بماضٍ كانت فيه السلطة واضحة المعالم. أداء ميريل ستريب هنا أقل استعراضًا وأكثر عمقًا. شخصية تدرك، بصمت، أن العالم الذي حكمته بدأ يتلاشى. في المقابل، تعود المُساعدة "Andy Sachs" إلى "Runway" لا بدافع الطموح، بل كحلّ اضطراريّ بعد تعثرها في عالم الصحافة الجديّة. وتطرح هذه العودة المُتأخرة سؤالا مؤلمًا: هل كان الهروب من عالم الموضة خيارًا صحيحًا أصلا؟

الفيلم يُقدّم إجابةً غير مباشرة، إذ لا يوجد مسار مهني مُحصَّن في زمن التحوّلات الكبرى. فكلّ الطرق قابلة للانهيار!


سطوة منصّات التواصل

يحافظ الفيلم على عناصره الجماليّة، بين أزياء فاخرة، مواقع تصوير أنيقة وحسّ ساخر مألوف. لكن خلف هذا البريق، يكمن حزن واضح. العمل أقرب إلى مرثية لعصر المجلات الورقيّة، حيث كانت الموضة تُصنع ببطء وتُستهلك بشغف، لا كمنتَجٍ عابرٍ في تدفقٍ رقميّ لا ينتهي. هذا التناقض بين الشكل اللامع والمضمون الكئيب يمنح الفيلم نبرةً خاصّة، أقرب إلى التأمُّل منها إلى الكوميديا. كما يعتمد الفيلم بشكلٍ واضحٍ على النوستالجيا كأداة رئيسيّة، مُستعيدًا شخصيّاته وجمله الأيقونيّة. لكنه، في الوقت نفسه، يبدو واعيًا لحدود هذا الحنين. فالماضي لا يمكن استعادته بالكامل، والنجاح السّابق لا يُعاد إنتاجه بالشروط نفسها. بعض الخطوط الدراميّة تبدو أقل تماسكًا، خصوصًا في المسارات العاطفيّة، لكن ذلك لا يُفقد الفيلم قدرته على طرح أسئلته الأساسيّة.


فيلم عن الزمن قبل الموضة

في جوهره، لا يتحدَّث الفيلم عن الموضة بقدر ما يتحدّث عن الزمن. عن المسافة بين عالمٍ كانت فيه الهيبة تُبنى عبر الخبرة، وآخر تُقاس فيه القيمة عبر الخوارزميات. عن فقدان السيطرة، محاولة التكيّف والبحث عن معنى في واقعٍ سريع التبدُّل. فيلم "The Devil Wears Prada 2" ليس تكرارًا للجزء الأول بل مُراجعة له. فيلم أقل حدّة، لكنه أكثر نضجًا وتأملا. بين البريق والمرارة، وبين النوستالجيا والانكسار، يُقدِّم تجربة سينمائية تعترف بأن الأناقة قد تبقى، لكن العالم الذي كان يمنحها معناها قد تغيّر إلى الأبد!

يحلّ سحر الموضة عبر هذه النوستالجيا الأنيقة، في جميع صالات السّينما اللبنانيّة.