لم تكن الشاشات يومًا بهذا القرب. في راحة اليد، في الجيب، على الطاولة بجانب الفطور، أو حتى تحت الوسادة عند المساء، تتسلل الأخبار السلبية إلينا من دون استئذان. حروب، كوارث، انتحارات، انهيارات اقتصادية، تنقلها التطبيقات بثوانٍ، بلا فاصل، بلا رحمة. لكن هل تساءلنا يومًا: ماذا يفعل كل هذا بمزاجنا، بصحتنا النفسية، بأجسادنا حتى؟
"التعرّض المستمر للأخبار المقلقة، وخصوصًا تلك التي تتعلّق بالعنف أو المعاناة، يؤدي إلى تفعيل دائم لما يُعرف بـ "نظام القتال أو الهروب" في الدماغ، ما يرفع منسوب التوتر ويُرهق الجهاز العصبي"، يؤكد اختصاصي الطب النفسي الدكتور كريم سعد الدين في حديثه، مضيفًا: "قد نظن أن تصفح الأخبار عادة بريئة، لكنها تشبه إلى حد كبير الإدمان السلوكي. نحن لا نتابع لأننا نحتاج، بل لأن دماغنا اعتاد على جرعة القلق. كل إشعار جديد، كل "خبر عاجل"، يُطلق في دماغنا دفعة من هرمونات التوتر كالكورتيزول، ومع الوقت يصبح الغضب والخوف والقلق مزاجًا ثابتًا، بدل أن يكون رد فعل موقتًا".
متى نقلق؟
يتطرق د. سعد الدين إلى الأعراض التي تستدعي الانتباه قائلًا: "الأرق، اضطراب الشهية، الشعور الدائم بالتعب من دون سبب عضوي، ونوبات قلق أو بكاء مفاجئة. في بعض الحالات، يصل الأمر إلى ما يُعرف بـ "إرهاق التعاطف"، أي عندما يتوقف الشخص عن التفاعل حتى مع الأحداث الصادمة، كآلية دفاع داخلية".
في المقابل، يقترح خطوات علمية وعملية لفك الارتباط الصحي مع المحتوى السلبي، أبرزها: "تحديد وقت محدد لمتابعة الأخبار، ويفضّل أن يكون بعيدًا من ساعات النوم أو الاستراحة، الامتناع عن متابعة التغطيات المتواصلة (live coverage) التي تُغذي الذهن بصور وبيانات غير مكتملة تزيد الهلع، التدريب على تقنية "المراقبة الواعية" (mindful consumption)، أي أن نراقب مشاعرنا أثناء تصفح الأخبار: هل أشعر بالضيق؟ هل قلبي بدأ يخفق بسرعة؟ إذاً الوقت قد حان للإغلاق.
وأخيراً، العودة إلى الواقع القريب من خلال حضن طفلنا مثلاً، نزهة قصيرة، حديث مع صديقة، تحضير وجبة... هذه الأشياء تحدث في الدماغ ما يفوق تأثير جميع أخبار العالم"، خاتماً: "تجنب الأخبار المؤذية ليس تجاهلًا للواقع، بل هو شكل من أشكال الرعاية الذاتية الضرورية للحفاظ على قدرتنا على مواجهة الحياة. إنها ليست قطيعة مع العالم، بل مسافة صحية تسمح لنا برؤية الأمور بوضوح أكبر والبقاء أقوياء في مواجهة التحديات".