منذ سنواتٍ، والدّراما اللّبنانية تئنّ تحت وطأة الأزمات المتلاحقة التي يعيشها البلد. التراجع الإنتاجي الأكبر لها بدأ في العام 2019، السنة التي وصفها كثيرون من العاملين في القطاع بأنها "قمّة الانهيار الفني"، حيث بدا وكأنّ الشّاشات اللّبنانية خلت من النّبض المحليّ، لتقتصر حركة الإنتاج على شركتَين كبيرتَين تنتجان بضعة مسلسلات يقتصر عرض معظمها على شهر رمضان المبارك. أمّا بقيّة الشّركات فقد تجمّدت مشاريعها لأسبابٍ عدّة، أبرزها نقص التّمويل أو عدم القدرة على منافسة الإنتاجات الكبيرة أو لضيق السّوق المحليّ. في ظلّ هذا الواقع الذي يشهد تراجع صناعة كانت يومًا رقمًا صعبًا على الشّاشات العربيّة، انبثق بصيص أملٍ من خلال مبادرة حملت توقيع الممثّل والمخرج والكاتب طوني عاد، الذي بدلًا من الشّكوى والتّبرّم اختار مواجهة الأزمة بالفعل لا بالكلام.
بدأ طوني عاد قبل عامَين التّحضير لمبادرة شاملة تحت عنوان "لجنة دعم الدراما اللبنانيّة"، والتي تحمل هدفًا واضحًا وجريئًا: إعادة إنعاش الدّراما اللّبنانيّة من الدّاخل وإعادة الاعتبار لصورة الفنّ اللّبناني الّتي شوّهتها السّنوات الصّعبة الماضية.
مبادرةُ عاد لم تكن مجرّد دعوةٍ رومانسيّة للعودة إلى "أيّام الزّمن الجميل"، بل انطلقت من تحليلٍ موضوعي للواقع الدّرامي، مع اقتراح حلول ملموسة وقابلة للتّنفيذ، بهدف إنقاذ ما تبقّى من البنية التّحتية للإنتاج الفنّي في لبنان، وإعادة الثّقة لجمهورٍ فَقَد الأمل في مشاهدة قصّةٍ لبنانيّة تُمثَّل على لسان أهلها.
في هذا السّياق، اقترح طوني عاد وزميلَين له في المبادرة هما المخرج والمنتج إيلي ف. حبيب ونقيب ممثّلي المسرح والسّينما والإذاعة والتلفزيون نعمة بدوي، حلولًا عمليّة وواقعيّة، أبرزها: إشراك الصّناعيين اللّبنانيين في الإنتاج من خلال دمج الإعلانات داخل المسلسلات أو ما يُعرف بـ "Product Placement"، الأمر الذي يتيح تمويل الإنتاج من دون الحاجة إلى دعمٍ كامل ومباشر من شركات الإنتاج أو القنوات التّلفزيونية.
الإنتاج المحلّي ليس خيارًا ثانويًّا
ويؤكّد الفنان طوني عاد في حديثه لـ "نداء الوطن" أنّ ما يُروَّج له في الكواليس حول عدم رغبة الجمهور اللّبناني بمشاهدة الإنتاج المحليّ هو "مجرّد ذريعة لا تمتّ إلى الواقع بِصِلة"، معتبرًا أنّ عرض المسلسلات اللّبنانيّة على الشّاشات المحليّة ليس فقط حقًّا مكتسبًا، بل ضرورة ثقافيّة ووطنيّة لتثبيت الهويّة الفنيّة في وجدان الجمهور، واستعادة مكانة الممثّل اللّبناني في دراماه الوطنيّة، تمامًا كما كان في السّابق.
يُذكر أنّ "قانون تنظيم البث الإذاعي والتلفزيوني" يُلزم القنوات اللّبنانيّة ببثّ عدد من السّاعات الدراميّة سنويًّا، إلّا أنّ هذا البند ظلّ حبرًا على ورق باعتبار أنّ أزمات البلد وأوضاعه الاقتصاديّة حالت دون إمكان تحمّل إدارات هذه القنوات كلفة إنتاج أعمال دراميّة أو شراء مسلسلات تنتجها شركات خاصة.
تواصل واسع
عمل طوني عاد وإيلي حبيب ونعمة بدوي خلال العامَين الماضيَين، على بناء شبكة تواصل واسعة مع مختلف الجهات المعنيّة بقطاع الإنتاج الدّرامي، بدءًا من عدد من القنوات التلفزيونية المحلية، وصولًا إلى وزارة الإعلام. وقد التقى أصحاب المبادرة وزيرها السّابق زياد المكاري، كما عقدوا اجتماعًا مع الوزير الحالي بول مرقص الذي، بحسب ما كشف عاد، شدّد على أهميّة الجمع بين هذه المبادرة الخاصّة ودعم "تلفزيون لبنان" بِما يمثّله من منصّة وطنيّة ضرورية لأي مشروع نهضويّ.
وخلال لقاء عاد وزملائه بالإدارة الموقّتة لـ "تلفزيون لبنان"، طُُرحت مبادرة بالتّعاون مع "شركة Green للإنتاج" (إيلي ف. حبيب)، الّتي تعهّدت بتقديم مسلسل من 30 حلقة مجّانًا للتلفزيون ومن بطولة نجوم من الصّف الأوّل، على أن يجري تمويله من خلال بيعه للعرض لاحقًا على منصّةٍ خارجيّة، إلى جانب إدخال إعلاناتٍ مدمجة في الحلقات.
تفاؤل رغم العقبات
ورغم جهوزيّة الحلقة الأولى من المسلسل "على الورق"، إلا أنّ المشروع لا زال بانتظار التّوقيع الرّسمي بين إدارة التلفزيون الرسمي والفريق التّنفيذي للعمل، حتى يجري استكمال التّفاصيل التّقنية والفنيّة والإداريّة لتنفيذ العمل، وأبرزها التعاقد مع شركة مختصّة بالإعلانات والتّسويق.
عاد أعرب عن أمله في أن تشكّل هذه المبادرة بدايةً حقيقيّة لفكّ الحصار عن الدّراما اللّبنانية، خصوصًا مع اهتمام رئيس الجمهورية جوزاف عون بهذا الملفّ، بحسب ما نقل وزير الإعلام بول مرقص. كما عبّر عن أمله بأن تُفتح أبواب الأسواق العربيّة مجدّدًا أمام الإنتاج اللّبناني، بعد أن أصبحت عمليّة بيع هذه الإنتاجات للمحطّات العربية معقّدة وصعبة منذ عام 2016 لأسبابٍ إقتصاديّة وسياسيّة كثيرة. يبقى أنّ المبادرة التي يقودها طوني عاد بالتعاون مع شريكَيه فيها إيلي ف. حبيب ونعمة بدوي، ليست مجرّد مشروع فني بل محاولة لإنقاذ أحد وجوه الهويّة اللّبنانية، وجعل الدراما المحلّية تنبض بالحياة من جديد، بجهودٍ فرديّة وجماعيّة، في زمنٍ نحتاج فيه إلى تضافر المبادرات أملًا بمستقبلٍ أفضل للجميع في هذا القطاع الحيويّ.