فيما تتصاعد التحديات الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتزداد المطالبات الحقوقيّة في لبنان، خصوصًا في أوساط جيل الشباب، تبرز أغنيات «الراب اللبناني» وتحجز لها مكانًا بين الأنماط الغنائيّة ليس فقط كمادة فنّية ذات إيقاع سريع وكلمات غاضبة، بل كانعكاس لهوية، ومرآة لغضب، ومنبر لصوت يرى أصحابه انه كان دومًا مخنوقًا.
«بدأتُ غناء الراب عندما كان عمري 16 عامًا. كنت أستمع أولًا إلى الراب الأجنبي ولم أكن أعرف سوى الأميركي Eminem. ومنذ صغري، كنت أُحبّ الشعر أيضًا، وقد عرّفني عليه والدي وتأثرت بكثير من الشعراء وعلى رأسهم المتنبي الذي أحببتُ أسلوبه، إلى أن شعرت أنني قادر على المزج بين الهجاء و «الهيب هوب»، كأسلوب أكثر عصريّة لإيصال أفكاري والتمرّد على المجتمع». هكذا بدأت قصّة فنّان «الراب اللبناني» نزار زغيب مع هذا النوع الغنائي. يضيف زغيب لـ «نداء الوطن»: «كنت أُغنّي في المدرسة لرفاقي وأصدقائي وبدأ الأمر كمزحة. بعد سنة أصبحتُ معروفًا في منطقتي ومدرستي، وصار الجميع يطلب منّي الأغاني ويُحبّونها ويتبادلونها عبر «البلوتوث». لاحقًا بدأتُ أقدّم أغنيات أعمق، في مضمونها تمرّدٌ على المجتمع والسلطة».
وسائل التواصل
زغيب، وهو أكثر مغني راب تحقيقًا للاستماعات (Streaming) في لبنان على المنصات الرقميّة، يرى أنّ «البيئة اللبنانية لم تكن مشجّعة للراب، ولم يكن هناك أي دعم، بل عوائق ورفض، لأنّ الراب كان يُعتبر فنًّا شارعيًّا ومواضيعه تُعدّ من «التابوهات». لم يكن يُمنح مساحة عبر قنوات التلفزة والإذاعة، بل كان يُحارب. لكنّ بعض الأصدقاء وقفوا إلى جانبي ودعموني، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ التفاعل من قبل الجمهور يزداد، وأصبح بإمكان الجمهور دعمنا حتى ماديًا، عن طريق شراء الألبوم الغنائي مسبّقًا، أو من خلال المنصّات التي تدفع مقابل الإعلانات».
عن تطوّر مضمون الأغاني يقول زغيب إنّ المواضيع تتغيّر كثيرًا مع السنين، «وتصبح تشبه المغنّي وبيئته وتتغيّر معه. من جهتي صرت أفكّر أكثر قبل كتابة الأغنية، وأبحث كيف أجعلها تشبه المستمع ليرى نفسه فيها».
مع مرور الوقت، لم يعد نزار زغيب مهتمًّا بتناول قضية معيّنة أو توجيه رسالة مباشرة من خلال أغنيات الراب، بل صار مع الفن من أجل الفن. لكنّه رغم ذلك يمرّر رسائل سياسية أو اجتماعية بطريقة غير مباشرة لأنّ الفن أداة تعبير.
نمط على جهاز الإنعاش
يعتبر المغنّي الشاب أنّ «الراب اللبناني يعيش على أجهزة الإنعاش، وإذا فصلنا الأجهزة عنه سيموت لكونه فنًّا قائمًا على عدد قليل جدًا من الأسماء. فإذا توقّف هؤلاء عن الغناء سينتهي الراب اللبناني معهم. والسبب في ذلك هو غياب الأرضية الحاضنة، وانعدام الاستثمار والإيمان بهذا الفن». ويلاحظ زغيب أن هذا النمط من الغناء وصل إلى أفضل حالاته في بعض الدول العربيّة رغم أنّ أنظمتها أكثر تحفظًا من لبنان، مثل السعودية وسوريا، وقد أصبح مقبولًا اجتماعيًا هناك، بينما لا نزال في لبنان متأخرين جدًّا في هذا المجال.
معظم من يعمل مع مغنّي الراب نزار زغيب في لبنان هم من خريجي كليّات الفنون. وهو من جهته افتتح ستوديو خاصًّا به منذ بداياته، وابتاع المعدّات كاملة، وتعلّم الإنتاج، فأصبح أكثر من 90 % من العمل يتمّ داخليًا: من كتابة الأغنية، إلى الإنتاج، و «الميكس» و «الماسترينغ»، والفكرة الإخراجية، وحتى تصوير «الفيديو كليب». ويرى زغيب أنّ هذا هو السبب الحقيقي وراء نجاح مغنّي الراب المحليّين.
الخسارة والربح
«حتى فترة قريبة، كنّا نخسر ماديًا أكثر مما نربح من الراب»، يعترف زغيب الذي يعزو السبب إلى غياب الدعم المؤسّسي، «لكن مؤخرًا بدأنا نحصل على بعض الأرباح، خصوصًا من الحفلات. وأحيانًا تحصل مبادرات صغيرة، كدعوتنا من قبل «السفارة الألمانية» لغناء الراب خلال حفل تنظّمه، ومقابل ذلك حصلنا على مردود مالي بسيط. وهناك أفراد يتواصلون معنا شخصيًا لدعمنا، ويرسلون مبالغ رمزية، فنضع أسماءهم في نهاية الأغنية كداعمِين».
وأشار زغيب إلى أنّ «يوتيوب بدأ يؤمّن دخلًا نُعيد استثماره في إنتاج أغنيات جديدة. لكن برأيي، الراب لا يمكن أن يكون مصدر دخل حقيقي إلا إذا كان الشخص جادًّا جدًّا ومستثمرًا في وقته وماله، ومستعدًا للخسارة في البداية لبناء أساس قوي. ولا أعتقد أنّ هناك أحدًا في لبنان، سوى أنا و «الرابر» أنطوني سمراني، يؤمّن دخلًا جيّدًا من هذا الفن».
الرقابة
يحدّثنا نزار زغيب عن الرقابة قائلاً: «واجهتُ عدة مواقف. تلقّيت مثلًا طلبات غير مباشرة لإزالة أغنية معيّنة أو تخفيف كلماتها. ومنذ 2020، أصبح لديّ محامٍ أُرسل إليه كلّ أغنية قبل نشرها، ليرى إن كان فيها ما قد يطالني قانونيًا، فأنا ابن هذا البلد وتحت سقف القانون».
يعتبر زغيب أنّ المجتمع اللبناني بدأ يتقبّل غناء الراب ولم يعد يحاربه، لكنه في المقابل لا يدعمه، لأنّ الصورة النمطيّة السلبيّة حول هذا النوع من الأغنيات ما زالت موجودة، «خصوصًا أن «الزعرنة» جزء من أغنياتنا، والتمرّد جزء من هويتنا، وهذا ما يجعله واقعيًا وقريبًا من الناس. من جهتي، أحاول في أغنياتي أن أُعبّر عن الوطنية والقوميّة، ولا ألحق «الترندات» الأجنبية، بل ألبننها بطريقة أداء لبنانية». ولا ينفي أنّ قلة عدد «الرابرز» هي من أبرز التحديات التي يواجهها الراب اللبناني، لكن الفنان يمكنه أن يصل إلى العالمية من خلال أغنية واحدة فقط، إلّا أنه يحتاج إلى استثمار حقيقي، رغم أنّ حاجز اللغة واللهجة قد يكون عائقًا».
يعمل المغنّي نزار زغيب حاليًا على ألبوم جديد سيصدر هذا الصيف، ويضمّ 11 أغنية تمزج بين الأسلوب الهجومي والطرح الاجتماعي والسياسي، بنمطه الخاص والمباشر. ويؤكّد زغيب أنّ ألبومه «لن يمرّ مرور الكرام، وسيعيد إشعال الساحة الرابّية اللبنانية»، حيث يتوقّع أن يُحدث «حروبًا» جديدة بين أسماء معروفة، ويُفجّر تحالفات مفاجئة لم تكن متوقعة.
مصدر رزق
جو شمعون، مغنٍّ شاب آخر يؤدّي أغنيات الراب. في حديثه مع «نداء الوطن» يقول: «أنا لا أومن أنّ هناك فنًّا مظلومًا، بل هناك فنانون يظلمون الفنّ الذي يقدّمونه، إما لضعف في المضمون أو الشكل. فكلّ فنّ، يقدَّم بطريقة محترفة وجذابة ويحبّه الناس، لا بد أن يصل. وأعتقد أنني كسرت الصورة الضعيفة للراب من خلال إطلالاتي الإعلامية ونجاحاتي والأرقام التي حققتها».
يروي شمعون أنه بدأ يستمع إلى الراب الأجنبي واللبناني مذ كان مراهقًا، وأحبّ فِرق «راب لبناني،» و«عكس السير»، و «إرهاب ريكوردز»، التي غنّى فنّانوها باللهجة اللبنانية وببطء نسبيّ لتكون كلمات الأغنيات مفهومة من الجميع، «فشعرتُ حينها أنّ بإمكاني الكتابة على الإيقاع وبدأتُ أستغلّ موهبة الكتابة لديّ في الراب». أضاف: «لم تكن البيئة اللبنانية في ذلك الوقت حاضنة للراب، ولكنّ الجيل الجديد رحّب به فحققتُ نجاحًا كبيرًا رغم غياب التوثيق الرقمي؛ كنت أنشر الروابط على منصة «فايسبوك» قبل انتشار «إنستغرام» و «يوتيوب»، ولا يزال أثرُ ذلك النجاح ملازمًا لاسمي».
قضايا متنوّعة
«لستُ مُقيدًا بموضوع واحد، بل أتناول قضايا اجتماعية وسياسية متنوّعة كحقوق المرأة والحيوان، والوضع السياسي العام، والحروب والسلام، والتوعية الإنسانية، وغيرها»، يقول شمعون.
نسأله هل من راب لبناني بالفعل، فيجيب: «هوية الراب اللبناني هي ببساطة لبنانية لكونها تعكس ما يعيشه المجتمع اللبناني، فكلّ فنّ هو وليد مجتمعه ومرآة له. أنا أنتج أعمالي بشكل كامل، فلديّ ستوديو في منزلي، وشركة «Kabs Production» التي أسستها مع شريكي أندريه صايغ، ويتولى الموزّع الموسيقي كريس صافي تجهيز ألحان أغنياتي، ويهتم بتفاصيل الإخراج والمونتاج إيلي ناكوزي، وأكتب أغنياتي بنفسي وأؤديها بصوتي».
عن جمهور هذا النمط الغنائي يشير شمعون إلى أنّ «تفاعل الجمهور مع الراب اللبناني تحسّن كثيرًا في السنوات الأخيرة»، وقد لمستُ ذلك بعد مشاركتي في أكثر من برنامج تلفزيوني، وانتشار مقاطع من أغنياتي على «تيك توك» و «إنستغرام»، وتحقيقها ملايين المشاهدات». ويلفت الفنان الشاب إلى أنّ «الراب يتوجّه عادةً إلى الجيل الصغير، من عمر المراهقة حتى الخامسة والعشرين، وهو العمر الذي يشهد الثورة الحقيقية داخل الإنسان، لكنّ جمهوري من مختلف الأعمار».
هؤلاء مهّدوا الطريق
«يمكن لأي «رابر» لبناني بلوغ العالمية إذا غنّى بالإنكليزية واستثمر بفنّه بجدّية. في المقابل السوق اللبناني محدود، والمشاهدات وحدها لا تؤمن مردودًا ماديًا كافيًا لمؤدّي أغنيات الراب. لكنّ جو شمعون، حوّل غناءه الراب إلى مصدر دخل حقيقي يعيش منه، إذ ابتكر طرقًا تسويقية من خلال الراب. كما يكشف أنه يعرف زملاء كثر له يشكّل هذا الفن مصدر رزقهم».
وعن التحدّيات التي تواجه «الرابر» يقول شمعون إنها لا تختلف عن تلك التي يواجهها أي فنان في لبنان، بغض النظر عن نوع فنه. ويرى أنّ من يبتغي النجاح عليه العمل بجدّ والتجرّد من غروره، والتقرّب من الجمهور ليفهم ما يريده الناس، ويقدم فنّه بطريقة محترفة.
في هذا الإطار يرى جو شمعون أنّ المجتمع اللبناني بدأ يتقبّل الراب بعدما كان ينظر إليه بسلبية، خصوصًا بين عامَي 2000 و2010 حين كانت الشتائم جزءًا من نصوص الأغنيات، ما شوّه صورة هذا الفن. «لكن رغم أنّ أولئك الفنانين لم يكونوا دائمًا على صواب، إلا أنهم مهّدوا الطريق لنا، ولولاهم، لما كنا نحن هنا اليوم»، يقول شمعون الذي يسعى لتقديم الراب الخالي من الشتائم، بهدف إظهاره كفنّ مستقل وخفيف ويدخل إلى القلب، «وهذا ساعد كثيرًا في تغيير النظرة السلبية نحوه. ومن جهتي لا أقدّم الراب كهواية، لذلك أحيانًا أضطر إلى تخفيف حدّة الرسائل، ليس خوفًا من الرقابة، التي لم تعد متشدّدة كالسابق، بل احترامًا لمشاعر المستمعين، وتجنبًا لاستفزازهم، فكل فنّ يحمل رسالة، ولكن لكل رسالة وقتها وطريقتها».
يتوقف شمعون عند دور الفن قائلاً: «الفن الحقيقي هو الذي ينقل وجع الناس، والراب تحديدًا له قدرة كبيرة على إيصال صوت الشارع، لأنه صريح وقادر على التعبير المباشر. ولمست هذا التأثير شخصيًا، بأغنيتي «ما رح ننسى» التي كتبتها بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث شعر الناس أنّ الأغنية تشبههم وتعبّر عمّا في داخلهم». ويختم كلامه بالقول: «الراب ليس وسيلة للترفيه فحسب، بل أداة تعبير وثورة، وكل فنان يختار كيف يستخدم فنه، وأنا اخترت أن يكون الراب أداتي لأصل إلى الناس بأسلوب صادق وحقيقي».
بين من يغنّي الراب من منطلق الفن من أجل الفن، رغم الخسارة المالية بدايةً، ومن نجح في تحويل موهبته إلى مهنة يعتاش منها، يبقى الراب اللبناني فنًا يتطوّر، ويقاوم، ويعيد تعريف نفسه كل يوم.