في ظلّ التطوّر التكنولوجي أصبح الحديث عن الخصوصية الرقميّة أو عن حماية البيانات الشخصية صعبًا. فالتطبيقات والمواقع الإلكترونية قائمة على جمع معلومات المستخدم وتسجيلها؛ فيبقى وعي المستخدم والحماية الذاتية الأهم خصوصًا أن التحايل على القوانين العالمية نافذ.
يعرّف الخبير في أمن المعلوماتية ومهندس اتصالات بيار خوري "الخصوصية الرقمية" بحماية المعلومات (سجل التصفحّ والمشتريات) والبيانات الشخصية (الاسم والعنوان ورقم الهاتف) والمحادثات والمراسلات الإلكترونية، التي يتم تخزينها أو معالجتها أو مشاركتها عبر الوسائل الرقمية مثل الإنترنت، الهواتف الذكية، التطبيقات والخدمات الإلكترونية. ويكون هدفها الأساس ضمان تحكم الأفراد ببياناتهم ومنع إساءة استخدامها أو الوصول إليها من دون إذن.
لكن معنى الخصوصية الرقمية يتغيّر باستمرار بفضل تطور التكنولوجيا، إذ إن البيانات التي اُعتبرت "غير حساسة" في الماضي، أصبحت مستخدمة اليوم لبناء ملفات تعريف دقيقة عن الأفراد، بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.
إلى ذلك، أدّى ظهور تقنيات جديدة مثل إنترنت الأشياء والواقع المعزّز والبيانات "البيو" إلى زيادة حجم البيانات الشخصية التي تُجمع، ما جعل مفهوم الخصوصية أكثر تعقيدًا ومرتبطًا بقضايا الأمن السيبراني، والحقوق الرقمية، والسيطرة على البيانات الشخصية. وعن كيفية جمع بيانات المستخدمين، يقول خوري: "هناك طرق عدّة منها ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) التي تخّزن معلومات حول نشاط الفرد وسلوكه أثناء التصفّح. وأذونات التطبيقات، مثل الوصول إلى الموقع الجغرافي، الكاميرا، الميكروفون، وجهات الاتصال عند تثبيت التطبيقات. وتحليلات الاستخدام، أي تسجيل الصفحات التي يزورها الشخص، المدة التي يقضيها، والأزرار التي يضغط عليها.
اضافةً إلى استمارات التسجيل، أي عند تسجيل البيانات مثل الاسم، البريد الإلكتروني، العمر... وتُجمع أحيانًا كثيرة بيانات تتجاوز ما يتوقعه المستخدم أو يوافق عليه، كتحديد الموقع الجغرافي الدقيق بغضّ النظر عما إذا فتح تطبيق الخرائط أم لا، حيث تتمّكن تطبيقات من تعّقب الموقع في الخلفية. كما تُجمع البيانات السلوكية أي المدّة التي استغرقها عند منشور معيّن، أو ما أعجبه وغير ذلك من السلوكيات. إلى ذلك تطلب تطبيقات صلاحية الوصول إلى جهات الاتصال ولائحة الأصدقاء فتجمعها كاملة.
وبالنسبة إلى البيانات "البيومترية"، تُجمع بصمة الإصبع والوجه، وحتى نبرة الصوت في بعض الأنظمة الذكية. كما تُستخدم البيانات من خلال الأذونات التي مُنحت للميكروفون والكاميرا في الخلفية وكل ذلك من دون علم مباشر من المستخدم. وتُجمع أيضًا بيانات من تطبيقات أو مواقع أخرى خصوصًا عند تسجيل الدخول باستخدام حساب مثل "غوغل" أو "فيسبوك"، ما يربط بيانات الفرد عبر خدمات متعددة".
لذلك، يمكن اعتبار حياتنا مكشوفة رقميًا بدرجة عالية جدًا إذا استخدمنا الإنترنت بشكل عادي ومن دون أي تدابير وقائية. حيث تتمكّن مواقع التواصل من جمع تفاصيل حياتنا، أي هوية أصدقائنا، أماكن تواجدنا، ما نحبّ ونشاهد ونأكل، عدد خطواتنا ونبض قلبنا في حال استخدام الساعة الذكية كما تسجّل محركات البحث كل ما نفكّر به تقريبًا. وتكون الإعلانات الظاهرة أمامنا مبنية على تحليلنا النفسي وسلوكنا ما يجعل "نصف حياتنا أو أكثر" قابلًا للرصد والتحليل.
ما هي تداعيات إساءة استخدام البيانات الشخصية إذًا؟
- سرقة الهوية: استغلال بياناتك لإنشاء حسابات بنكية أو بطاقات ائتمان، أو لانتحال هويتك في أنشطة إجرامية على الإنترنت.
- الابتزاز والتشهير: أي استغلال الصور أو الرسائل الخاصة لتهديدك أو الإساءة إليك نفسيًا واجتماعيًا.
- الاحتيال المالي: استخدام معلوماتك البنكية أو بيانات الدفع لسرقة أموالك أو القيام بعمليات شراء غير قانونية.
- التجسس والمراقبة: متابعة تحركاتك وسلوكياتك بهدف استغلالها ضدك أو التأثير على قراراتك، مثل الإعلانات المكثفة أو الحملات السياسية المضللة.
- الضرر النفسي والاجتماعي: الإحساس بانتهاك خصوصيتك أو تراجع ثقتك في التكنولوجيا والمحيط الاجتماعي".
وعمّا إذا كانت القوانين الحالية كافية لضمان الخصوصية الرقمية، يجيب أنّ "القوانين الحالية، مثل GDPR (اللائحة العامة لحماية البيانات) وغيرها، خطوة مهمة نحو حماية الخصوصية الرقمية، لكنها غير كافية لأن التطور التكنولوجي أسرع بكثير من تطوير القوانين والتشريعات.
وهناك اختلاف كبير على صعيد قوة القوانين ومدى تطبيقها بين الدول. إلى ذلك تجد بعض الشركات طرقًا قانونية للالتفاف على هذه القوانين وجمع بيانات أكثر مما يتوقعه المستخدم.
من جهة أخرى لا تعتمد حماية البيانات فقط على القانون، بل على قدرة الجهات على إنفاذه ومعاقبة المخالفين. لهذا السبب، يبقى وعي المستخدمين واستخدامهم لوسائل الحماية الذاتية عنصرًا جوهريًا للحفاظ على الخصوصية الرقمية بشكل فعّال".
ويلفت إلى صعوبة الاستفادة من الخدمات الرقمية كاملة من دون التنازل عن جزء من الخصوصية "إذ تعتمد غالبية الخدمات أساسًا على جمع البيانات لتخصيص المحتوى وتحسين الأداء وتقديم الإعلانات، ولكن يمكن خفض حجم البيانات التي يتم جمعها، واستخدام بدائل تركز على الخصوصية، وضبط الإعدادات لحماية أكبر قدر ممكن من البيانات. أما الخصوصية المطلقة مع استخدام الخدمات الرقمية الكاملة، فهي للأسف غير ممكنة عمليًا في الوقت الحالي".
خطوات وقائية - استخدام كلمات مرور قوية وفريدة لكل حساب. - تفعيل المصادقة الثنائية (Two-Factor Authentication). - مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام وإلغاء غير الضروري منها. - تحديث البرامج والتطبيقات باستمرار لسد الثغرات الأمنية. - تجنّب فتح الروابط المشبوهة أو تحميل الملفات من مصادر غير موثوقة. - استخدام برامج حماية من الفيروسات وبرمجيات التجسس. |
