لا يزال العقل السياسي اللبناني، الرسمي والحزبي، أسيرَ مفهومٍ تقليدي للسيادة، يُختزل غالباً في الحدود والسلاح والتوازنات الميدانية. غير أنّ العالم تغيّر جذرياً؛ فالحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل كذلك بالبيانات والخوارزميات والبنى الرقمية القادرة على اختراق المجتمعات من الداخل. وفي القرن الحادي والعشرين، تصبح سيادة الأرض ناقصة إذا كان الفضاء الرقمي للدولة مستباحاً.
لقد أدركت الدول الكبرى مبكراً أن السيطرة على المعلومات لم تعد شأناً تقنياً فحسب، بل ركناً من أركان الأمن القومي. فالهجمات السيبرانية التي استهدفت بنى تحتية حيوية حول العالم، من شبكات الطاقة إلى الأنظمة المصرفية والمطارات، كشفت أن تعطيل دولة كاملة قد لا يحتاج إلى اجتياح عسكري بقدر ما يحتاج إلى اختراق ذكي ومنظّم لأنظمتها الرقمية.
وفي بلد يعتمد قطاعه المصرفي والاتصالات والخدمات العامة على بنى رقمية هشّة، فإن أي اختراق واسع لا يبقى حدثاً تقنياً معزولاً، بل قد يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية وأمنية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين مباشرة. إن ما يشهده لبنان من اختراقات أمنية وتسريبات متكررة، سواء عبر أجهزة الاتصالات أو المنصات الرقمية أو قواعد البيانات، لا يمكن اختزاله في إطار “الثغرات التقنية” فحسب، بل يكشف غياب رؤية وطنية متكاملة للأمن السيبراني والاستقلال التقني. فالدولة التي تعجز عن حماية بيانات مواطنيها ومؤسساتها تفقد تدريجياً جزءاً من قدرتها السيادية، لأن السيطرة على المعلومات أصبحت شكلاً من أشكال السيطرة على المجتمع نفسه.
في الدول الحديثة، لم تعد السلطة مرتبطة فقط باحتكار القوة المادية، بل أيضاً بالقدرة على حماية البنية المعلوماتية للدولة وتأمين فضائها السيبراني وإدارة تدفّق البيانات بصورة آمنة ومستقلة. فالمطارات والمصارف وشبكات الكهرباء والاتصالات والمستشفيات، وحتى الجيوش وأنظمة الدفاع، لم تعد مجرد بنى تشغيلية للدولة، بل أصبحت أهدافاً استراتيجية في الحروب الحديثة، وأي اختراق واسع لها قد يشلّ الدولة من دون إطلاق رصاصة واحدة.
أما في لبنان، فلا تزال الرقمنة تُعامل كترف إداري أو مشروع تقني هامشي، فيما هي في الواقع جزء من مفهوم الدولة الحديثة نفسها. فالدولة التي لا تحمي فضاءها الرقمي تفقد تدريجياً جزءاً من سيادتها الفعلية، حتى وإن احتفظت بحدودها السياسية ومؤسساتها الشكلية. والمفارقة أن القوى السياسية التي ترفع شعارات “الحماية” و”القوة” لا تزال، في كثير من الأحيان، تتحرك بعقلية ما قبل رقمية، حيث تُفضَّل البنى الزبائنية والولاءات الشخصية على بناء مؤسسات حديثة وشفافة وقابلة للمساءلة.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني فقط إدخال التكنولوجيا إلى الإدارة، بل يعني إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة الكفاءة والوضوح والعدالة المؤسسية. وهذا ما يجعل مشروع الاستقلال الرقمي متعارضاً بنيوياً مع أنظمة المحاصصة التي تستفيد من هشاشة المؤسسات وتداخل الصلاحيات وضعف الشفافية.
من هنا، فإن أزمة لبنان الرقمية ليست تقنية فقط، بل هي أزمة دولة ورؤية وإدارة. إذ لا يمكن بناء منظومة سيبرانية فاعلة في ظل مؤسسات مفككة، وبنى تحتية مهترئة، وغياب استثمار جدي في البحث العلمي والتعليم التكنولوجي والأمن المعلوماتي.
لقد باتت الكرامة الوطنية مرتبطة أيضاً بالكرامة الرقمية: أي بحق المواطن في حماية بياناته وخصوصيته، وتأمين فضائه الإلكتروني، ومنع تحويل حياته اليومية إلى مادة مكشوفة أمام الاختراق أو الابتزاز أو المراقبة الخارجية. فالهاتف الذكي لم يعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبح امتداداً للهوية الشخصية والاقتصادية والأمنية للفرد، وأي استباحة له هي استباحة غير مباشرة للإنسان نفسه.
وفي مقابل هذا التراجع، يبرز تناقض لبناني لافت: فبينما تتخبط الدولة في إدارة التحول الرقمي، يحقق آلاف اللبنانيين نجاحات بارزة داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية ومراكز البحث والابتكار. وهذا يكشف أن أزمة لبنان ليست أزمة كفاءات بشرية، بل أزمة إدارة سياسية وعجز بنيوي عن تحويل المعرفة إلى مشروع وطني.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استيراد التكنولوجيا، بل في استعادة العقل العلمي اللبناني وإدماجه ضمن مشروع سيادي حديث يرى في المعرفة قوة استراتيجية، وفي التكنولوجيا أداة للتحرر وبناء الدولة، لا مجرد وسيلة استهلاكية أو ترف إداري. لبنان اليوم أمام مفترق حقيقي: إما أن يبقى ساحة رخوة للاستباحة الرقمية والأمنية، وإما أن يبدأ ببناء دولة تدرك أن معارك العصر لم تعد تُحسم فقط بالسلاح التقليدي، بل أيضاً بامتلاك المعرفة، وحماية البيانات، وتحصين الوعي العام من الاختراق والتضليل والتبعية التقنية.
فبناء السيادة الرقمية لا يبدأ بالشعارات، بل بالاستثمار في التعليم التكنولوجي، وتحديث البنية التحتية، وإقرار سياسات جدية لحماية البيانات والأمن السيبراني. فالسيادة لم تعد فقط فيمن يملك القوة العسكرية، بل أيضاً فيمن يملك القدرة على حماية العقل والمعلومة والإنسان. وفي زمن الحروب الخفية، قد يصبح الوعي الرقمي خطّ الدفاع الأخير عن الدولة والمجتمع معاً.