شربل صفير

70% من أفراد الطبقة الوسطى باتوا تحت خط الفقر

عن الطبقة التي نامت غنيّة... واستيقظت على الرصيف

5 دقائق للقراءة
الأزمة في لبنان لم تعد مالية فقط، بل بنيوية تمس هوية الدولة والفرد

منذ خريف 2019، والانهيار المالي والاقتصادي في لبنان لا يوفّر أحدًا، لكنه وجّه ضربة قاسية للطبقة الوسطى، فقلَب موازين الحياة اليومية، وجرّد أصحاب الكفاءات والوظائف المحترمة من استقرارهم المعيشي. ومع تدهور قيمة الرواتب وتلاشي القدرة الشرائية، وجد كثيرون أنفسهم على حافة الفقر أو في قلبه. ورغم كل ذلك، لا تزال هذه الطبقة تقاوم. تكافح بصمت، وبكرامة، محاولةً استعادة موقعها ومجدها، ولو وسط الركام.



أرقام لا ترحم: من راتب محترم إلى بدل نقل

في حديث خاص مع "نداء الوطن"، كشف الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين أنّ أكثر من 70 % من أفراد الطبقة الوسطى باتوا اليوم تحت خط الفقر، بفعل الانهيار المالي المتواصل منذ أواخر 2019. وأضاف أنّ نسبة اللبنانيين الذين كانوا يصنَّفون ضمن الشريحة الوسطى (أي أصحاب دخل يتراوح بين 800 و2500 دولار شهريًا حتى العام 2018)، تراجعت من نحو 55 % إلى أقل من 15 % من مجمل السكان، ما يعني عمليًا اختفاء هذه الفئة.



وأشار شمس الدين إلى أنّ رواتب موظفي القطاع العام، من معلمين وإداريين وعسكريين، فقدت أكثر من 90 % من قيمتها، موضحًا أن راتب أستاذ التعليم الرسمي الذي كان يعادل نحو 2000 دولار في 2018، بات بحدود الـ 700 دولار، بالكاد تكفي لتغطية نفقات أسبوعين من الحاجات الأساسية.


أما عن الضمان الاجتماعي والتأمينات الصحية، فأكّد شمس الدين أنها باتت عاجزة عن حماية الموظف، إذ لا تغطي الطبابة أكثر من 10 % من قيمة الفاتورة الاستشفائية، بينما أصبحت كلفة دخول المستشفى تُعدّ من مظاهر الرفاهية.



شهادات من قلب المعاناة

رنا تعيش اليوم واقعًا لم تكن تتصوره يوماً، تقول لـ "نداء الوطن": "كنتُ أعمل وأعيش بشكل طبيعي، أحصل على راتب يمكنني من تلبية حاجياتي الأساسية وأحياناً أتمكن من توفير بعض المال للطوارئ. أما اليوم، فأصبحت في موقفٍ أشبه بالمأساة، حيث أضطر إلى الاختيار بين دفع فاتورة الكهرباء أو شراء الخبز لأولادي.

أما جهاد، فيروي بدوره لـ"نداء الوطن" قصة فقدان الأمان المالي التي عايشها هو وعائلته: "كنت أملك سيارة خاصة أتنقل بها بسهولة وأستخدمها في عملي، لكن بعد تراجع راتبي إلى مستوى لا يكفي حتى لأبسط مستلزمات العائلة، اضطررت إلى بيع السيارة. كنا نحلم بامتلاك شقة صغيرة نستقر فيها، ونبني مستقبل أولادنا، أما اليوم فالحمد لله أننا نملك مأوى بالإيجار فقط. لقد ضاع كل ما جمعناه من سنوات العمل والجهد في المصارف التي تعاني من الأزمة، وشعرت أنني أمام جدار مسدود لا مخرج منه."



ما الذي غيّب الطبقة الوسطى؟

وفق تقارير اقتصادية صدرت أخيراً عن البنك الدولي و"الدولية للمعلومات"، هناك 5 أسباب رئيسية لانهيار الطبقة الوسطى في لبنان:

فقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 % من قيمتها منذ 2019.


جمود رواتب القطاعين العام والخاص، مقابل تضخم هائل في الأسعار (تجاوز 230 % عام 2023 فقط).


غياب دعم الخدمات الأساسية (طبابة، تعليم، نقل عام، طاقة...).


استنزاف الودائع وعدم القدرة على استردادها بسبب سياسات مصرفية مجحفة.


هجرة الكفاءات والشباب، ما زاد في استنزاف الكتلة الإنتاجية للمجتمع.



أزمة هوية وكيان

لم تعد الأزمة في لبنان مجرّد أزمة مالية أو نقدية، بل أزمة بنيوية تمسّ هوية الدولة ومكانة الفرد فيها. الطبقة الوسطى كانت تمثل التوازن والاستقرار، وهي عنصر أساس في أي نمو اقتصادي واجتماعي. غيابها يعني حتماً تصاعد الانقسام بين أقلية ثرية محمية، وأكثرية مسحوقة بلا تمثيل أو تأثير.


الانهيار طال كذلك الحقل التربوي، الذي كان فخر لبنان. الجامعات التي كانت تصدّر النخب، باتت عاجزة عن استبقاء الأساتذة. أكثر من 9000 أستاذ جامعي ومدرّس تركوا وظائفهم منذ 2020، وفق دراسة "الدولية للمعلومات"، وأكثر من 85 % من الخريجين بين 2021 و2024 إما هاجروا أو يخططون للهجرة.



مؤشرات على انزلاق اجتماعي خطير

يُحذّر باحثون وخبراء من تداعيات اختفاء الطبقة الوسطى على الاستقرار في لبنان. فهذه الفئة كانت تمثّل نقطة التوازن بين الغنى والفقر، وتراجعها بهذا الشكل يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية أوسع. وتشير دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) صادرة في نيسان 2025 إلى أنّ 68 % من اللبنانيين "لا يثقون بأي مؤسسة رسمية"، فيما يرى أكثر من 72 % أنهم "متروكون لمصيرهم".


وفي مشهد موازٍ، ارتفعت طلبات الدعم لدى الجمعيات والمنظمات الإنسانية بنسبة 40 % خلال الأشهر الستة الأخيرة، معظمها من أسر كانت تُصنَّف ضمن الطبقة الوسطى، بحسب تقارير صادرة عن الصليب الأحمر اللبناني ومركز البحوث الاجتماعية في بيروت.


كل ذلك، يؤكد أنّ الطبقة الوسطى في لبنان لا تنقرض فحسب، بل تُدفن على مهل، وسط عجز حكومي، ومجتمع دولي يراقب من بعيد. لا إصلاح اقتصاديًا ممكن من دون إعادة الاعتبار إلى هذه الشريحة، ولا استقرار اجتماعيًا من دون تمكينها... فمن يكتب الفصل الأخير من هذه القصة؟ وهل لا يزال هناك أمل في إنقاذ ما تبقى من هذه الطبقة التي شكّلت لعقود قلب لبنان النابض؟