جويل غسطين

إبداعات صارت وأُخرى ستكون

رودي رحمة: من متحف في "نهر الكلب" إلى معرض في باريس

6 دقائق للقراءة


 في قلب طبيعة وادي "نهر الكلب" الخلّابة، الّتي تشبه مكان نشأة النّحات والرّسام والشّاعر رودي رحمة، "وادي قاديشا"، بخضرتها وهدوئها، حسب وصفه، أنشأ الأخير متحفه الخاص، بعد أن حوّل محترفه الفنّي إلى مساحة مفتوحة للزّوار. استُلهم هذا الموقع من جمال الطّبيعة اللبنانية، فاختار رحمة أن يُحاكيه من خلال منحوتات ضخمة من الصّخر والحديد عاكسًا هويّته الفنّية.



الفكرة وُلدت عام 2020 بعد زيارة وزير الثّقافة آنذاك عباس مرتضى، الذي شجّع رحمة على تحويل المحترف إلى متحف، وتمّ تسجيله رسميًّا في وزارة الثّقافة. في هذا المتحف، يمكن للزّائر أن يختبر صنوف الفن عن قرب، ويشاهد الأعمال الفنّية، ويتفاعل معها.



المتحف اليوم متاح أمام الزوّار، رغم تأجيل افتتاحه الرّسمي، الذي كان مقرّرًا في أيلول 2024، بسبب الحرب الإسرائيليّة على لبنان. والموقع يضمّ أيضًا مساحةً مخصّصة للحفلات والمناسبات الخاصّة، ما يجعله ملتقى حيًّا يجمع بين الإبداع، الطّبيعة، والجمهور.



أزاميل الألوان

ضمن رؤيته الفنّية الشّاملة، يخطّط رحمة لجعل محترفه في "نهر الكلب" مؤسّسة متنقّلة تحمل اسم "أزاميل الألوان"، تهدف إلى نشر ثقافة النّحت والرّسم في مختلف المناطق اللّبنانيّة. المؤسّسة، المسجّلة رسميًّا لدى وزارة الاقتصاد، يُقدّم من خلالها رحمة معظم أعماله الفنّية، بينما لا يزال الجانب التّعليمي قيد التّحضير ويحتاج إلى تجهيزاتٍ إضافيّة.



بالتوازي، كشف لـ "نداء الوطن" عن مشروع آخر تناوله في لقاءٍ جمعه برئيس "بلديّة بشرّي" جو كيروز، بحث خلاله فكرة تحويل بشرّي، مسقط رأس جبران خليل جبران، إلى متحف فنّي مفتوح يجذب السّياح وعشّاق النحت والرسم وفنون أخرى. المشروع، الذي عُرض سابقًا على بلديّات مختلفة، لم يحظَ بعد بالدعم والموافقات الكاملة، وهو يحتاج لدعمٍ من المهتمّين، ويُتوقّع أن يحتاج نحو ثلاث سنوات ليُنجز.



منحوتة تخلّد الإيمان المسيحي

أعمال رودي رحمة في مجال فنَّي النحت والرسم لا تقتصر على متحفه الساحليّ، بل هي منتشرة في مواضع وأمكنة مختلفة، في لبنان وحتى خارجه. على سبيل المثال، في ساحة الكرسي البطريركيّ في الديمان، ينتصب تمثال كبير صمّمه ونحته رحمة من أرزةٍ ضخمة ميتة يبلغ ارتفاعها 26 مترًا، مع منحوتاتٍ ترمز للمضطهدين المسيحيّين بسبب إيمانهم.



تُكرّم هذه المنحوتة خاصّةً البطاركة الموارنة، الذين حافظوا على الوجود المسيحي في لبنان رغم الاضطهاد. بالإضافة لنحتٍ عند قاعدة الأرزة يظهر السّيد المسيح وهو يستقبل الزّائرين ويعرض عليهم حمل صلبانهم وخطاياهم.

يعتمد هذا العمل على دمج الخشب الطبيعي مع التّمثال، ويرى رحمة أنّ شجرة الأرز ليست مجرّد نبات، بل كائن حيّ يحمل ذاكرة تاريخيّة ولاهوتيّة، رمزًا لجذور لبنان العميقة وقوّة إيمان شعبه. بدأ العمل على هذا النّصب قبل أربع سنوات، ومن المتوقّع افتتاحه في أيلول 2025.



نصب انفجار 4 آب

ومن الديمان إلى بيروت. ففي ساحةٍ عامّة ملاصقة لـ "مرفأ بيروت"، يعمل رحمة منذ عام 2022 على فكرة نصب فنّي رمزيّ فوق متحف مخصّص لتخليد ذكرى "انفجار 4 آب". هو جزء من مشروع متكامل يشمل حديقة عامّة ومتحفًا يوثّق حياة الضّحايا وصورهم وتفاصيل المأساة.

يوضح رحمة أنّ عدم تنفيذ وافتتاح هذا المَعلم حتّى اليوم مرتبط بعدم توفّر قطعة أرضٍ لتنفيذ المشروع. لذا وعلى خطّ موازٍ، قرّر رحمة تقديم تمثال لـ "فوج إطفاء بيروت"، على أن يُدشّن في 4 آب 2025 برعاية محافظ مدينة بيروت مروان عبّود. يحمل النّصب اسم "الجندي المجهول"، ويكرّم كل من ضحّى بحياته في سبيل لبنان.



وردة وشمعة لريّا الشّدياق

عمل إبداعيّ آخر يحمل بصمة ابن بشرّي يزيّن بلدة مزيارة الشماليّة. بتكليفٍ من فرنسوا وماري الشدياق، والدَي الشابة ريا الشّدياق التي قُتلت في حادثة مأسويّة عام 2017، صمّم رحمة مزارًا إبداعيًّا مستوحى من فكرة الشّمعة والوردة، تخليدًا لذكرى الرّاحلة.

الكنيسة الكبرى ضمن المزار، تتحوّل إلى وردة ضخمة، يحيط بها إكليل من الشّوك يتناقص قرب الباب، رمزًا للمراحل المتدرّجة وصولًا إلى المرحلة الثالثة عشرة من صلب المسيح، ثم إنزال جسده عن الصّليب .



داخل المزار، ترتسم لوحات تضمّ أناسًا وقدّيسين وملائكة، وصورًا لريّا في مراحل حياتها قبل مقتلها. وبما أنّ التّصميم دائري، فهو يخدم فكرة "دوران متنقّل" يصل بالزّائر إلى الله.

خلف المذبح، ثلث دائري يرمز للأرض، وبداخله يسوع المسيح، بينما يعبر الزّائر من داخل الكنيسة ليجد شموعًا عملاقة خارجًا، أهمّها تلك الّتي تضمّ مدفن ريّا.

رحمة أشاد بوالدَيّ ريّا الشدياق لدعمهما الكامل للمشروع، وأوضح أنه نقل كلّ الأجزاء التي صمّمها في متحفه لتُبنى قطعة قطعة في مكان إقامة المزار.


منحوتة القصر الجمهوري

لأوّل مرّة في تاريخ الرّئاسة الأولى في لبنان، قدّم رحمة منحوتةً فنّية إلى القصر الجمهوري، في خلال زيارة قام بها أخيراً للرّئيس جوزاف عون الذي يُعرف بتقديره الكبير للفنّ والفنانين. أمرٌ وصفه رودي رحمة بالاستثنائي والمشجّع.

تعكس المنحوتة رمزيّة الإنسان اللّبناني الذي، عبْر الزمن صارت رمزه الأرزة، في شخصيّته وصموده وروحه الوطنية.



حديقة الصّلاة في حريصا

أما في "مزار سيّدة لبنان (حريصا)" في بلدة درعون، فبصمة أخرى لرودي رحمة. إذ افتتح أخيرًا البطريرك الماروني بشارة الرّاعي "حديقة الصّلاة" الّتي تضمّ تمثالًا ضخمًا للسيّد المسيح بطول 4 أمتار، يُبرز فيه رحمه المسامير التي غُرست في جسد يسوع، معبّرًا عن سقوط هذه الآلام بفعل المحبّة والإيمان.

تتضمن الحديقة أيضًا تمثالين للقديس شربل والسيدة العذراء أنجزهما رحمة، كما المرحلة الأخيرة من حياة المسيح على الأرض، خاصة مرحلة القيامة التي تمثّل الأمل والخلاص.



تقنيّة مبتكرة

الإنجازات الفنّية لرودي رحمة لا تتوقّف عند النّحت والرّسم التّقليديّين، إذ ابتكر تقنيّة "Walking Rock" التي تعني "الصّخرة التي تمشي"، لتعبّر عن فكرة دمج الفن مع الطّبيعة والإيمان. يرى رحمة أنّ الصّخرة رغم جمودها الخارجي، تحمل روحًا متحرّكة، خاصّة بعد مجيء المسيح الذي نفخ الرّوح في الجماد. في منحوتاته، يشكّل النحّات الصّخر بطريقةٍ توحي بالحركة، ليعكس تجارب الإنسان وإيمانه، محوِّلًا الصّلابة إلى حياةٍ.

كما ابتكر رحمة تقنيّة فنّية أخرى تسمى "Sculpeinture"، يدمج فيها بين النّحت والرّسم، وتجمع بين نعومة الألوان وخشونة المواد الصّلبة. انطلق رحمة فيها من حبّه للرّسم بالفحم والرّصاص، ثم توسّع ليخلق أعمالًا تجمع اللّوحة والمنحوتة في قطعةٍ واحدة، تعبّر عن التّناقضات الدّاخلية بين الرّقة والعنف والإبداع والانفجار.



مشاريع فنّية مقبلة

من جهة أخرى، يستعد الفنان رودي رحمة لإطلاق معرض في مقرّ "اليونيسكو" بباريس، يتناول فيه مسيرة حياته الشّخصية والفنّية منذ الطّفولة، ضمن معرض استعادي (retrospective). والتحضيرات مستمرّة بانتظار تحديد موعد إقامة المعرض. تزامنًا يطوّر رحمة مشروعًا فنّيًا هامًّا في قطر، يتضمن إقامة معرض يضمّ تمثالًا ضخمًا. نشاطات تؤكّد الحضور المشرّف لفنّ وأعمال رودي رحمة من لبنان إلى العالمَين العربي والغربي.