في زيارة مفصلية حملت في طيّاتها الكثير من الإشارات والضغوط، خرج الموفد الأميركي توم برّاك بتصريحات لافتة، لم يُخفِ فيها نبرة الحسم والمباشرة، إذ قال: "حان الوقت للتغيير في المنطقة، ونحن أمام فرصة يجب أن ينتهزها الجميع لإنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل".
التصريحات الأميركيّة حملت رسالة مزدوجة: من جهة، تشجيع الأطراف اللبنانيّة على الانخراط في التسوية المطروحة؛ ومن جهة أخرى، ممارسة ضغط مباشر على "حزب الله" للقبول بتقديم تنازلات فعليّة، في مقدّمتها البحث في مستقبل سلاحه جنوبًا، وهو ما يشكّل جوهر النزاع القائم، ويتجاوز الجانب الحدودي أو التقني.
أوضح برّاك أنّ الإدارة الأميركيّة تعمل حاليًّا على تفاصيل تنفيذ الورقة المقترحة للبنان، مشيرًا إلى أنّ واشنطن "ممتنّة للردّ السريع واللهجة المتزنة التي تلقّتها من الجانب اللبناني الرسمي". غير أنّه لم يُظهر التزامًا أميركيًا واضحًا لا بتقديم ضمانات أمنية للبنان، ولا بلعب دور الراعي الفعلي لأيّ اتفاق مستقبلي.
وفي موقف لافت، قال برّاك: "أليس "حزب الله" حزبًا سياسيًا في لبنان؟ هل تتوقّعون أن تحلّ دولة أجنبيّة حزبًا لبنانيًا داخل دولة ذات سيادة؟ هذه مشكلتكم... وعليكم أن تحلّوها". عبارة أعادت التأكيد على أن الضغط الأساسي مطلوب من الداخل اللبناني، لا من الخارج، وأن ملفّ السلاح يُترك للتجاذب المحلي.
وأشار برّاك إلى أن إسرائيل "تريد السلام مع لبنان"، وأن كيفية تحقيق ذلك "هو التحدّي"، مضيفًا: "على كلّ فريق لبناني أن يتخلّى عن شيء، سيكون هناك مجال للسلام مع حزب الله".
في المقابل، جاء الردّ من "حزب الله" حاسمًا. فقد أكّد الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، "أن الحزب لن يتخلّى عن سلاحه" إلا بعد تنفيذ إسرائيل التزاماتها، وعلى رأسها الانسحاب من الأراضي المحتلّة، ووقف الاغتيالات، وتطبيق القرار 1701".
جاءت زيارة برّاك تزامنًا مع عودة اللجنة الخماسيّة الدوليّة إلى النشاط، وسط زخم دبلوماسي عربي ودولي. لكنّ المشهد في بيروت يبقى هشًّا، والقرار الاستراتيجي معلّق على موقف "حزب الله"، الذي لا يبدو مستعدًا لتقديم أيّ تنازل مجاني في لحظة ضغط إقليمي وتوتر جنوبي مستمر.
زيارة برّاك ليست تفصيلًا في المسار اللبناني، بل لحظة فارقة: إمّا تسوية تُنهي النزاع وتفتح أفق السلام، وإمّا مواجهة مفتوحة في الجنوب. العين هنا على موقف "حزب الله"، والمشهد الداخلي يترقّب من يملك القرار... ومن يدفع الثمن؟
تصريحات برّاك... تهدئة ناعمة أم تنصّل محسوب؟
إذا أخذنا تصريحات الموفد الأميركي توم برّاك بظاهرها، يمكن القول إنّه تعمّد التنصّل من كلّ ما تمّ تسريبه من تهويل وتخويف في الأيّام السابقة، مقدّمًا خطابًا واقعيًّا يأخذ في عين الاعتبار تعقيدات الداخل اللبناني، ويعيد الكرة إلى ملعب الأطراف اللبنانية. لكنّه في الوقت ذاته، أبقى الورقة الإسرائيليّة بيد إسرائيل، مكتفيًا بالإشارة إلى وجود "آليّة لم يُكتب لها النجاح"، لا إلى اتفاقيّة أمنيّة حقيقية.
بهذا، بدا برّاك كمن يريد تمرير الورقة الأميركيّة كفرصة تاريخيّة، لكن دون التزام فعليّ بضمانات، لا لوقف إطلاق النار، ولا لكبح الخروقات الإسرائيليّة.
إنّها لحظة شديدة الحساسيّة، حيث تُطرح التسويات على طاولة بلا ضمانات، ويُطلب من لبنان تقديم تنازلات تحت سقف تهديدات غير معلنة... فهل نحن أمام فرصة سلام؟ أم مشروع فرض وقائع جديدة تحت عنوان الحوار؟
السيادة على المحك... وبرّاك وزّع الأدوار
برّاك لم يأتِ محايدًا، بل أتى حاملاً ورقة أميركية تُرسم من فوق رأس الدولة اللبنانية، وبتوقيت لا ينفصل عن التطورات الإقليمية، من غزة إلى الجنوب اللبناني. فجأة، وجد لبنان نفسه أمام اختبار مزدوج: هل تملك السلطة الرسميّة القرار؟ أم أن الحزب الذي يحتكر السلاح يملك وحده مفتاح الحرب والسلم؟
بهذا المعنى، تُختبر السيادة اللبنانية مرّتين: مرّة أولى عندما تُطلب منها تنازلات باسم الاستقرار، ومرّة ثانية عندما يُسلَّط الضوء على سلاح "حزب الله" كعقبة أمام "السلام". وبين الحالتين، لا تبدو واشنطن مستعدّة للعب دور الضامن، بل فقط منسّق توزيع الأدوار على الطاولة.
برّاك، في زيارته هذه، بدا كمن يُعيد توزيع الأدوار بين اللاعبين اللبنانيين، مُعطيًا دورًا "تفاوضيًا" للرئاسة، ودورًا "أمنيًا" للجيش، ودورًا "تنازليًا" لحزب الله، فيما يغيب الضامن الوحيد لأي تهدئة مستدامة: الاعتراف بسيادة لبنان على قراره الوطني.