كلّما تستحضر مسألة الهويّات العابرة للحدود في النّقاش السّياسيّ، يقفز اللّبنانويّون ليتكلّموا عن سياسة اللّبننة «lebanonization»، أي جعل الوعي الجمعيّ العربيّ الشّيعيّ متّفقًا مع حدود لبنان الكبير الذي رفضه هذا الوعي رفضًا اتّخذ شكل العنف الطائفيّ من مجزرة عين إبل سنة 1920 حتّى التّطهير الإثنيّ لمسيحيّي جنوب لبنان. ويبرّر اللّبنانويّون مشروع اللّبننة بعدّها تجربةً جديدةً وثورويّةً، بيد أنّها في الواقع تجربةٌ فاشلةٌ سبق أن طبّقها فؤاد شهاب، ولاحقًا إلياس سركيس، ولو اختلفت المسمّيات (كان يُطلق عليها آنذاك اسم «الدّولنة»)، ودائمًا ما كانت نتائجها عنفًا طائفيًّا يصحبه مزيدٌ من التّشظّي المؤسّساتيّ.
ثمّة إشكالية متأصّلة في مفهوم اللّبننة، وهو انطلاقه من تصوّرٍ خاص (إنْ لم نقل تصوّرًا مسيحيًّا) لأسس اللّبننة تتمثّل بالسّؤال الآتي: كيف سنجعل الهويّات العابرة للحدود هويّاتٍ محلّيّةً؟ وفي هذا السّؤال افتراضان: (١) الهويّات ديناميكيّةٌ جدًّا إلى حدّ يمكننا إعادة تركيبها، وتاليًا تغييرها راديكاليًّا، وهذه مغالطةٌ أوّليّةٌ «elementary fallacy». (٢) الهويّة الصّحيحة هي تلك التي تتماهى مع تصوّراتٍ محدّدةٍ للتّاريخ والمجتمع والثّقافة، ما ينفي نسبيّة القيم، وهذه مغالطةٌ أوّليّةٌ أيضًا.
لذلك لا بدّ من توضيح هذه المفاهيم المغلوطة وحتميّة فشلها؛ لأنّها أساس الخطاب السّياسيّ السّائد، خصوصًا بين الأحزاب المسيحيّة الأقرب جماهيريًّا وأيديولوجيًّا من الفكر التّحرّريّ والفدراليّ:
(١) الهويّات ديناميكيّةٌ، لكنها ليست ديناميكيّةً إلى درجةٍ يمكننا فيها تغييرها جذريًّا، بخاصّةٍ إن لم تُستعمل قوّةٌ هائلةٌ لتحقيق هذا التّغيير (فكّر مثلًا بالهويّة اليابانيّة في القرن التّاسع عشر حتّى منتصف القرن العشرين التي بنيت على التّفوّقيّة والتّوسّعيّة والشّرف، فقد احتاجت قوّةً هائلةً لتغييرها، عنيت قوّة القنبلة الذّرّيّة في الحرب العالمية الثّانية، ومع ذلك لا يزال الشّرف قيمةً تشغر أعلى هرميّة القيم عند اليابانيّين، ولو لم يكن مصحوبًا بالتّفوّقيّة الفاشيّة).
(٢) ما يكون صحيحًا لقيم الهويّة المحلّيّة، يكون باطلًا لقيم الهويّة العابرة للحدود، والعكس صحيحٌ. خذ مثلًا: قد يكون التّدخّل العسكريّ في الصّراع العربيّ الإسرائيليّ صحيحًا لقيم هوية المجتمع الإسلاميّ في لبنان، بينما يكون باطلًا لقيم هويّة المجتمع المسيحيّ فيه. وفي هذا السّياق لا يكون الانخراط في النّزاعات والحروب مسألةً أخلاقيّةً، بل سياسيّةً محضةً، ويصبح الموضوع أوضح عند اتّخاذ أمثلةٍ أخرى عن صراعات إثنودينيّةٍ في المنطقة (كالحرب الأهليّة السّوريّة؛ الصّراع الإيرانيّ-العربيّ، إلخ).
إذًا إنّ اللّبننة خيارٌ. كما قد تكون سياسةً، بيد أنّها ليست سياسةً يسهل فرضها. وحتمًا ثمّة بديلٌ أكثر جدّيّةً عنها، عنيتُ الانفصال واحترام خيار الهويّات العابرة للحدود، وهذا ما يستوجب تغيير تصوّرنا كمسيحيّين للبنان من رؤيةٍ استهلاكيّةٍ - محافظةٍ إلى رؤيةٍ تحرّريّةٍ-راديكاليّةٍ.