محمد البابا

روسيا تصعّد حرب المسيّرات والصواريخ على أوكرانيا

5 دقائق للقراءة

دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا أسبوعًا بالغ العنف والتصعيد، مع تنفيذ موسكو لهجمات هي الأعنف منذ بداية العام 2025، مستهدفةً معظم المدن الأوكرانية بمئات الطائرات المسيّرة والصواريخ. هذا التصعيد الكثيف لم يكن مجرد حدث عسكري، بل يُنظر إليه كتحوّل استراتيجي في طريقة إدارة روسيا للحرب، مستفيدة من تعثّر الإمدادات الغربية وتهالك منظومات الدفاع الأوكرانية.


في ليلة 9 يوليو، نفذت القوات الروسية هجومًا جويًا واسع النطاق وُصف بأنه إرهابي، استُخدمت فيه 728 طائرة مسيرة من طراز "شاهد" الإيرانية، بالإضافة إلى 14 صاروخًا من أنواع مختلفة، مستهدفةً العاصمة كييف، ومدينة لوتسك بشكل خاص، إلى جانب مناطق أخرى في الوسط والغرب الأوكراني. وكانت مدينة لوتسك الأكثر تضررًا في هذا الهجوم غير المسبوق، حيث تسببت الضربات في دمار واسع في المنشآت المدنية والمنازل، وأسفرت عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، إضافة إلى انقطاع الكهرباء عن عدة أحياء وتعطّل الخدمات العامة، وسط أجواء من الذعر دفعت بعض السكان إلى النزوح المؤقت.


الكمية الهائلة من الطائرات المسيّرة المستخدمة تُظهر بوضوح اعتماد روسيا على استراتيجية الإغراق الجوي، أي استخدام أعداد ضخمة من المسيّرات الرخيصة لاختبار قدرات الدفاع الجوي الأوكراني وإنهاكه. هذا التكتيك لا يستهدف فقط ضرب الأهداف العسكرية، بل يعمد إلى استنزاف صواريخ الدفاع باهظة الثمن التي تملكها كييف، والتي تراجعت أعدادها بشكل حاد بسبب تأخر إمدادات الحلفاء.


الهجمات لم تقتصر على الأهداف الفيزيائية، بل رافقها أيضًا هجوم إعلامي واسع النطاق، حيث أطلقت الماكينات الدعائية الروسية حملة ضخمة على منصات التواصل الاجتماعي، تضمنت مشاهد للدمار ورسائل تُحمّل كييف مسؤولية استمرار الحرب، في محاولة واضحة لتحطيم الروح المعنوية للمواطنين الأوكرانيين، ودفعهم للاعتقاد بأنّ لا فائدة من الصمود، وأنّ الدولة غير قادرة على حمايتهم.


بعد أقل من 24 ساعة، وفي الساعات الأولى من فجر يوم 10 يوليو، نفّذت روسيا هجومًا جديدًا، استهدف العاصمة كييف بعدد كبير من المسيّرات والصواريخ، في تصعيد يُظهر إصرار موسكو على إبقاء الضغط عالياً على مركز القرار الأوكراني. أعلنت السلطات المحلية عن مقتل شخصين على الأقل، وإصابة 13 آخرين بجروح متفرقة، بعضهم بسبب شظايا تساقطت من بقايا الصواريخ والمسيّرات التي تم إسقاطها. كما اندلعت حرائق ضخمة في مبانٍ سكنية وتجارية وسط العاصمة، تم إجلاء السكان منها بصعوبة، في وقت كانت الدفاعات الجوية تعمل بأقصى طاقتها رغم شح الذخائر.


ورغم النجاح النسبي لأنظمة الدفاع في إسقاط معظم الطائرات المسيّرة، إلا أن المصادر الرسمية أكدت أن الدفاعات تعمل حاليًا بموارد محدودة جدًا. وتحدثت تقارير استخباراتية عن نقص حاد في الذخائر المضادة للطائرات، وخاصة لصواريخ NASAMS وPatriot وIRIS-T، مما يجعل الدفاعات الأوكرانية هشّة أمام أي تصعيد أوسع، وهو ما يفسّر جزئيًا تكرار الضربات في أكثر من منطقة خلال وقت قصير.


الظرف الحالي يشكّل لحظة مواتية بالنسبة لموسكو، إذ تعاني كييف من تأخر في وصول شحنات الأسلحة الغربية، خصوصًا بعد تردد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إرسال مزيد من الدعم العسكري المباشر. وكان البنتاغون قد أعلن مؤخرًا عن استئناف إرسال بعض الذخائر مثل 155 مم وGMLRS، لكن الشحنات لا تزال غير كافية لسد الفجوات المتراكمة منذ بداية الصيف. روسيا، من جهتها، تدرك ذلك جيدًا، وتعمل على تعظيم النتائج من خلال ضربات مركّزة تخلق أزمات في المدن، وتجبر الجيش الأوكراني على تشتيت دفاعاته، ما يفتح المجال لاحقًا لعمليات هجومية برية أو توغلات تكتيكية في الشرق أو الشمال الشرقي.


في مقابل هذا القصف المكثف، تواصل كييف إعلان استعدادها للدخول في تسوية سياسية قائمة على وقف إطلاق النار الكامل وضمانات أمنية، لكن موسكو لا تبدي أي جدية، بل تقوم فقط بمحاكاة المفاوضات دون رغبة حقيقية في التوصل إلى حلول. ويُجمع المراقبون على أن الكرملين يسعى إلى فرض شروط ميدانية عبر القوة، كي يدخل إلى طاولة المفاوضات من موقع المنتصر، وليس عبر التوافق.


في ظل هذا التصعيد الروسي العنيف، تبدو الخيارات أمام كييف محدودة. الاستمرار في الدفاع والصمود رغم الشح في الذخائر، وزيادة الضغط السياسي على حلفائها لتسريع وتيرة الإمدادات، والاعتماد على الإنتاج المحلي من الطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية، وتعزيز التحصينات داخل المدن الكبرى والمراكز الصناعية. لكن مع كل يوم يمر، تتضاعف كلفة التأخير في الدعم الغربي، فيما تستغل موسكو كل فرصة لتوسيع دائرة الرعب والدمار.


الهجمات الروسية المتتالية على المدن الأوكرانية خلال 9 و10 يوليو تشكّل ذروة جديدة في حرب الإرادات التي تخوضها موسكو ضد كييف. باستخدام سلاح الجو المسيّر بكثافة، تتحدى روسيا دفاعات أوكرانيا المنهكة، وتحاول دفعها للاستسلام أو التفاوض من موقع ضعف. وفيما تتصاعد ألسنة اللهب في سماء كييف، تُختبر قدرة العالم على الوقوف في وجه نظام يستخدم المسيّرات لتدمير الأمل، وليس فقط المباني.