مذ صار عالمُنا قبل سنوات قليلة يسير على إيقاع "السوشل ميديا" وروّاده، تغيّرت الدنيا من حولنا. سقطت المفاهيم وتبدّلت في مختلف المجالات. تغيّرت التعريفات وأصول ومعايير العمل في معظم القطاعات. صارت الصورة الأساس، والشهرة مطلب الجميع، وأُتيح لكلّ حامل هاتف أن يقارع رأي "أكبر رأس" في مجاله، لمجرّد أنّ التكنولوجيا سمحت لكلّ امرئ أن يدلي برأيه وأن يبلغ هذا الرأي مشارق الأرض ومغاربها بكبسة زر، خلافًا لما كان الأمر سابقًا حين كان الرأي يعني صاحبه، وقد يبلغ أهل بيته، وفي أحسن الحالات جيرانه في الشقة المقابلة، مع 4 إلى 5 أشخاص آخرين يلتقيهم يوميًّا.
ومذ وقع هذا التغيير في العالم، صار فنّانونا في أزمة، بل في ورطة. إذ فَقَدَ هؤلاء البوصلة بعدما صاروا أسرى آراء مستخدمي وسائل التواصل. وبين هؤلاء المستخدمين نماذج عدّة. فهم يشبهون من نلتقي بهم في الحياة: منهم الموزون كما غير المتّزن، المثقّف والجاهل، المهذب وقليله، الخلوق والوقح، وإلى آخره من نماذج "البني آدمين" المتناقضة على هذا الكوكب.
صار هَمُّ الفنّان إرضاء أهل "السوشل ميديا" حتى يرضى هؤلاء بدورهم عليه ويبجّلونه، ووسيلة تحقيق تلك الغاية سهلة: يكفي "تجنيد" مجموعة "فانز" ناشطين ونشيطين، يكونون بالمرصاد كلّما ألمت نائبة بنجمهم المفضّل. والنائبة هنا تكون على شكل تصريح أو إشاعة أو إطلاق عمل فنّي جديد أو إطلاق فنان منافس عملًا جديدًا. فترى أولئك "الفانز"، يسبقهم أحيانًا صحافيّون وإعلاميّون معروفون، والمفروض أنهم محترفون، قد هبّوا هبّة رجل واحد على "إكس" أو "إنستا" أو "فايسبوك" أو غيرها من التطبيقات، للدفاع عن فنانهم "المفدّى" وإطلاق المواقف والآراء التي يحبّ ويريد سماعها، أو التي نُمي إليهم أنه يحبّ ويريد سماعها.
وواقع صعود "نجوميّة" مواقع التواصل وأهلها، أفْقَدَ ما كان بقيَ للصّحافة والصّحافيّين، بالمفهوم الذي كان متعارفًا عليه للمهنة، آخر أدوارهم: النقد الموضوعيّ والرأي الموزون.
لا أقول إنّ "الزمن الجميل" كان خاليًا من "الشلليّة" التي تُحيط بالفنّانين وتصفّق لهم "عمّال على بطّال"، أو أنّ صحافة تلك الأيام ما كانت "تدعم" فنانة على حساب أخرى، أو أنّ بعض المجلات والصحف ما كانت "تقبض" ما كان يسمّى بلغة تلك الأيام "اشتراكًا" في الصحيفة أو المجلّة، أو مقابل صورة غلاف أو عنوانًا عليه. كلّ ذلك كان موجودًا وأكثر، كدعوات إلى حفلات أو مسرحيات، أو هدايا في المناسبات، أو عشاوات أو غداوات... لكنّ الفارق بين الزمنَين أنّ "الحياء" كان موجودًا مع قليل من المنطق، أما اليوم فقد فُقدا على حساب العلنيّة الفجّة والوقحة أحيانًا.
فنّانو زمننا الحالي يعيشون ورطة غياب أصحاب الرأي الحقيقي والناصحين والنقّاد الصادقين مِن حولهم، على حساب حضور المصفّقين والمبجّلين والمبخّرين. علمًا أننا كلّنا في مكان ما نحبّ سماع الكلمة الحلوة وصوت التصفيق، وهذا طبع بشريّ لا خلاف عليه.
في أيامنا صارت كلّ أغنية يؤديها مغنّ "روعة"، وكلّ بيت شِعر يكتبه شاعر "معلّقة"، وكلّ لحن يدندنه ملحّن من وزن السيمفونيّة الخامسة لبيتهوفن، وكلّ دَور تمثيلي يؤدّيه ممثل يضاهي إيلي صنيفر في "الأخرس"، أو لميا فغالي في "البؤساء"، وكلّ حركة كاميرا في مسلسل توازي رائعة فرانكو زيفيريلي "يسوع الناصري"، وكلّ قصّة يدوّنها كاتب تلفزيوني أهمّ من "حكمت المحكمة" لفاضل سعيد عقل.
مسكين الفنان عندنا، فمذ "وظّف" صحافيّين في مكتبه الإعلامي أو موّل مواقعهم الإلكترونية أو دعم "نشاطهم" أو "دلوهم" الذي يدلون به عبر حساباتهم في مواقع التواصل، لم يعد لديه من يُصدِقه القول إنّ هذه الأغنية سقطة في مشواره، أو أنّه لم يستعدّ بما يكفي لذاك الدَّور قبل تصويره، أو أنّ نمطه الإخراجيّ بات مكرّرًا، أو أنّ كلمات أغنية أطلقها لا فكرة أو قصّة فيها بل هي مجرّد "صفّ" كلمات مع سجع، أو أنّ صوته "التعبان" ينبغي أن يدرّبه قبل أن يواصل إحياء الحفلات، أو أنه ينبغي أن يتوقف عن الغناء بطبقات لم تعد تناسب سنّه وقدراته، أو أنّ من الأفضل تقليل حفلاته أو استبدالها بالاكتفاء بإطلاق أغنيات مسجّلة.
فنّانونا بمعظمهم لا يجدون حولهم اليوم من يقول لهم كلمة صدق، فباتوا يعيشون وَهْمَ "التألّق" الكاذب، ولم يعودوا يسمعون إلا ما يريدون سماعه. والأسوأ أنهم يصدّقون أنّ ما يسمعونه حقيقة.