أثار قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس إعفاء السفير الفلسطيني في لبنان، أشرف دبور، من مهامه التنظيمية كنائب المشرف العام على الساحة اللبنانية، ردود فعل واسعة داخل حركة «فتح» في لبنان. وتُقرأ هذه الخطوة في سياق الخلافات الداخلية المستمرة، وسط تساؤلات حول انعكاساتها على واقع الحركة واستقرارها داخل المخيمات الفلسطينية .
وبحسب مصادر فلسطينية مستقلة، لعب دبور دورًا يتجاوز مهامه الدبلوماسية، إذ شكّل عنصر توازن داخل المخيمات، لا سيما في عين الحلوة، وكان واجهة أساسية لحركة «فتح» في علاقاتها مع الدولة اللبنانية. وتضيف المصادر أن حضوره ساهم في إدارة الأزمات واحتواء التوترات، ما أكسبه موقعًا مؤثرًا داخل «فتح».
رغم ذلك، تعرّض السفير دبور لانتقادات من بعض الجهات المحسوبة على «فتح» في رام الله، تناولت أسلوب إدارته للساحة اللبنانية، واتهامات بتحويل العمل التنظيمي إلى شبكة من المحسوبيات. ومن هذا المنطلق، فُهم قرار إعفائه لدى عدد من المراقبين كتعبير عن احتدام الخلافات الداخلية، لا كمجرد إجراء إداري روتيني.
القيادة الفلسطينية تعيد تشكيل حضور «فتح» في لبنان
رغم أن البيان الرسمي الصادر عن رام الله برّر الإعفاء بـ«إعادة تنظيم الصلاحيات»، تفيد معلومات مطلعة لـ «نداء الوطن» بأن القرار جاء نتيجة تمسّك دبور باستقلالية الساحة اللبنانية ورفضه الانخراط في تفكيك ترسانة سلاح حركة «فتح» في لبنان. فقد عبّر عن اعتراضه على شروط نزع السلاح من المخيمات ورفض تهميش دور الفصائل الفلسطينية، ما أدى إلى تصاعد التوتر وانتهى باستبعاده.
عباس يشرف مباشرة
مصادر فلسطينية مطّلعة من دائرة القرار في رام الله صرّحت لــ»نداء الوطن» أن مواقف السفير أشرف دبور اعتُبرت بمثابة «تمرّد ناعم»، فجاء الرد بإقصائه من مهامه التنظيمية في حركة «فتح»، وتكليف فريق من الضباط القادمين من رام الله بإعادة ترتيب البيت الفتحاوي في لبنان. وتشمل المهمة، بحسب المصادر، تقييم الأداء، وضبط آليات صرف الموازنات والتعيينات، في إطار تنفيذ قرارات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبناء هيكل تنظيمي يعزّز حضور الحركة الوطني في لبنان، مع الالتزام أمام الدولة اللبنانية بقرار نزع السلاح من المخيمات.
ويؤكد المقرّبون من الرئيس عباس أنه يحمل في داخله اهتمامًا خاصًا باللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ويحرص بالتوازي على الوقوف إلى جانبهم في أزماتهم الإنسانية والاجتماعية .
في المقابل، أثار القرار غضبًا في صفوف بعض كوادر «فتح» في لبنان. فقد أصدر ما يُعرف بـ«أحرار حركة فتح»، إلى جانب بعض قيادات في صور وصيدا وبيروت، بيانًا وصفوا فيه القرار بأنه «تعسفي ويفتقر إلى الغطاء القاعدي»، مؤكدين دعمهم الكامل للسفير دبور وتقديرهم لدوره الوطني ورمزيته .
إلى أين تتجه الأمور؟
تكشف مصادر لبنانية خاصة أن قيادة السلطة في رام الله تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها «صعبة المراس»، نظرًا للتداخل بين المخيمات والبيئة اللبنانية الهشّة. ويُطرح سؤال محوري: هل جاء إبعاد دبور في سياق خطة لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني في لبنان وتنفيذ قرار تسليم السلاح؟
لا تزال تداعيات الإعفاء في بداياتها، فيما تواجه حركة «فتح» في لبنان منعطفًا حاسمًا. وأمامها خياران رئيسيان: إما إعادة صياغة العلاقة بين القاعدة الفلسطينية في لبنان وقيادة رام الله والالتزام بتنفيذ القرارات، وإما تعميق الانقسام ما يهدّد باندلاع أزمة تنظيمية داخلية. فالصراع لم يعد مجرّد نزاع على مناصب أو ولاءات، بل يعكس أزمة أعمق بين قيادة مركزية تسعى إلى فرض سيطرتها، وساحات فلسطينية تعتبر نفسها الأقدر على إدارة واقعها المحلي، بعيدًا من منطق الوصاية إن جاءت من رام الله .
وفي ظل هذه التحديات، يبقى المستقبل مفتوحًا أمام «فتح» لإعادة توحيد صفوفها وضمان استقرار الساحة الفلسطينية في لبنان .