ماريو ملكون

عهد الفئات والسقوف… ما هكذا تُبنى الدولة!

4 دقائق للقراءة

لم يكن اعتراض وزراء "القوات اللبنانية" في جلسة مجلس الوزراء، يوم الجمعة الفائت، حول طريقة مقاربة ورقة الموفد الرئاسي الأميركي توم برّاك، وطريقة طرح التعيينات الادارية والمالية والقضائية، آتياً من فراغ، أو ميلاً لتسجيل النقاط الشعبوية، كما يحلو للبعض أن يُروّج.


"وزراء فئة أ ووزراء فئة ب"، هي عبارة أطلقها وزير الصناعة جو عيسى الخوري عقب الجلسة الوزارية، وهي في الحقيقة عبارة ذات فروع عدّة، من "مواطن فئة أ ومواطن فئة ب"، ومن "نائب فئة أ ونائب فئة ب"، وهلمّ جرّا.


برّر رئيس الحكومة عدم التزامه بآلية التعيينات، لناحية إيداع الوزراء السير الذاتية للأسماء المقترحة للتعيين، بذريعة الخوف من تسريبها للاعلام، وهو إمّا يستهزئ بالوزراء أنفسهم وإمّا هو منقطع كلّياً عن متابعة وسائل الاعلام، وفي الحالتين "مهزلة"، فقد انتشرت قبل يوم من الجلسة كافة أسماء مَن تمّ تعيينهم، عدا أنّ هذه الذريعة في غير مكانها، كون الآلية واضحة وكي تتّسم بالشفافية يجب الالتزام بها، لا نسفها عبر نهج المحاصصة واسترضاء هذا وتنفيع ذاك. والطامة الأكبر، أنّ بعض الوزراء ومن خلفهم أحزابهم ومرجعيّاتهم كانوا على دراية بكامل التفاصيل، ليكون المشهد واحد: قوى سياسية ووزراء فئة أ، وقوى سياسية ووزراء فئة ب.


الأمر نفسه يسري على تمنّع رئيس الحكومة عن دعوة مجلس الوزراء بشكل عاجل وطارئ لمناقشة الورقة الأميركية التي حملها الموفد الرئاسي، فور تسلّمها من قبل السلطات اللبنانية، خاصّة أنّها لا تندرج ضمن اطار المعاهدة التي ترتبط بصلاحية رئيس الجمهورية، بل هي تتّصل بوجود ودور منظّمة عسكرية وبقرار يتّصل بالحرب والسلم في البلاد، فقرّر رئيسا الجمهورية والحكومة، تغيير مسار الورقة بما يُخالف الدستور، وتوجهيها نحو رئيس حركة سياسية، عوض وضعها أمام السلطة التنفيذية، ليتكرّر المشهد مع: سلطات فئة أ، وسلطات فئة ب.


ومن مجلس الوزراء إلى مجلس النواب، مع السقوف المتفاوتة التي تطبع ممارسات رئيس المجلس نبيه بري، في تنفيذ النظام الداخلي للبرلمان، فقد تذرّع بأنّ اقتراح قانون التعديلات على قانون الانتخاب الذي وافق عليه ٦٧ نائباً لا يمكن إدراجه على جدول أعمال المجلس، رغم كونه بصفة معجّل مكرّر، لكون اللجان النيابية تدرس مجموعة اقتراحات مرتبطة بقانون الانتخابات النيابية، في حين أنّ بحثاً صغيراً يُظهر أنّ بري نفسه سبق وأدرج عدّة اقتراحات قوانين معجّلة مكرّرة رغم استمرار مناقشتها في اللجان، وترك للهيئة العامة قرار حفظ أو إسقاط صفة العجلة، ما يؤكّد التعامل الاستنسابي بين نائب فئة أ، يُدرج اقتراحه رغم عدم عجلته، وبين أكثرية نيابية فئة ب، يُعترض على اقتراحها رغم عجلته واقتراب نفاذ المهل أمام وزارتيّ الداخلية والخارجية للمباشرة بتحضير الأرضية اللوجيستية والادارية للانتخابات المقبلة.


وفي السياق نفسه، تُمارس لعبة السقوف، ضرباً للمساواة التي ينصّ عنها الدستور، وذلك بين المقيمين وغير المقيمين، فيُمنع عن الفئة الثانية ما يُسمح للأولى، حيث يُفصَل المغترب عن بلدته وأهله ومنطقته في خياراته النيابية، عدا عن أنّ القانون الحالي يُكرّس التفاوت بين مواطنين فئة أ، وهم المقيمون (قرابة ٣ ملايين وفق لوائح القيد)، يُخصّص لهم ١٢٨ نائباً أي بمعدل نائب لكلّ ٢٣ ألف ناخب مقيم، مقابل فئة ب، وهم غير المقيمين (قرابة مليون تقديرية)، يُخصّص لهم ٦ نوّاب أي بمعدل نائب لكلّ ١٦٦ ألف ناخب غير مقيم، إضافة إلى أنّ المقيم يُمثّله عدّة نوّاب (إثنان أو أكثر) ضمن نطاق جغرافي ضيّق هو القضاء، بينما غير المقيم يُمثّله نائب واحد فقط ضمن نطاق جغرافي واسع جداً ويتخطّى مساحة لبنان، وهو القارة.


كلّ ذلك، يُستَلحَق بتفاوت الملاحقات بين مواطن فئة أ، وهو على سبيل المثال صحافي عبّر عن رأيه بكلّ حرية وديمقراطية فيُستدعى للتحقيق أمام جهّة غير مختصّة، و"مواطن" فئة ب، لا يمتّ للمواطنية بصلة، فلا يلتزم لا بدستور ولا بقانون ولا بقرارات السلطة التنفيذية، فيتبجّح بتمسّكه بسلاحه، دون حسيب ولا رقيب.


ما هكذا تُستعاد الدولة وما هكذا تُدار، هذا إن كان بالفعل يُراد لها أن تكون دولة، فإدارة التأجيل ورمي المهمّات على "خلاص بالتدخلات الخارجية" أو "استفاقة الضمائر الداخلية"، لا تقود إلّا لمزيد من حرق الفُرَص و"تنييم" اللبنانيّين على حرير الخطابات الورقية.


عهد الفئات لا يمتّ للدولة بصلة، والتصويب على أخطائه هو الخيار الأول لعدم تكريس الأخطاء كخطايا، الخيار الأول لا النّهائي.