"فلسفة الجمال" لسمير الحاج شاهين... مسالك فكريّة تستكشف العلاقة بين الوعي والجمال

7 دقائق للقراءة

لا شيء كالفلسفة يدخلنا جوهر الوجود. فحين نتفلسف، نركب الفكر والنقد والتأمل لنعِيَ الوجود والأخلاق المعرفية، ونتجاوز التنظير المجرّد؛ لنلامس تفاصيل اليوميّات. وحدها الفلسفة تساعدنا على فهم الذات والمحيط، وتمكّننا من اتخاذ المواقف تجاه ما يحصل من حولنا وفي العالم. ففي زمن يتسارع فيه كل شيء، ويغدو الإيقاع مرهِقًا والتحدّيات مهلِكة، لا ملاذ آمن إلا الفلسفة للفهم والتوازن.

إنّ الفلسفة توسّع الآفاق، وتسائل المسلَّمات، وتخرجها إلى الضوء، لتجفِّفها من العفونة والنتانة ورطوبة الانغلاق، عندها تصبح المسؤوليّة مشتهى العقلاء، وتبسيط المعاني وسط تعقيدات الوجود أجمل مهام الإنسان.

في كتابه «فلسفة الجمال»، الصادر عن «دار سائر المشرق» في بيروت، يسلك بنا سمير الحاج شاهين مسالك فكريّة، نستكشف من خلالها العلاقة بين الوعي والجمال، بأسلوب تحليليّ متين. في «فصل من كتاب» لهذا الأسبوع، اختارت لكم «نداء الوطن» من «فلسفة الجمال»، فصلًا بعنوان: «الرواية». 



ما سرّ افتتاننا بالقصّة؟ إنّ عمرنا يجري على نسقها، حتى لقد اختارها الإنجيل قالبًا له. الروحانيّون حالمون وهذا يسهّل عليهم الانتقال إلى عالمها الوهمي. إنّها حدث افتراضي، حصل لأشخاصٍ صوريّين. عندما تدوّن سيرة نابوليون تصبح علم تاريخ، وحين تنقل الواقع كما هو، من دون أن تعيد تركيبه فنّيًا، تغدو مذكّرات. لماذا تتقن أولًا وصفه إلى حدّ إقناعنا أنها هو؟ أن نكتشف ما ينطوي عليه من جمال وحقيقة، محتّمة على كتّابها أن يشاهدوه بأمّ عينهم مرارًا، ويجعلونا نبصره، ونحسّ أننا نعيشه حقًا، وليس فقط نقرأ عنه؛ لذلك يجب أن لا يتركوا بصماتهم الأسلوبية عليه، بل أن يقولوه بكلمات حيّة وغنيّة، مبرعمة ومزهرة، سلسة ونضرة مثله؛ تستمدّ من مطابقتها المطلقة له بلاغتها، ولماذا تأبى ثانيًا التخلّي عنه؟ لأنه عجينها، إذا أعرضت عنه تنازلت عن ماهيّتها، ومهمّتها الأساسية، بينما بقيّة الفنون قد تدير له ظهرها. ربما لأنها عاجزة عن الإحاطة به:



- لا تستطيع الموسيقى أن تصف داخلية بيت.

- ولا النحت (لفرط ما أنّ الحجر غير مطاوع) أن تجسّم زحمة السابلة في الشارع.

- ولا الرسم والشعر (لشدّة تقيّدهما بمادتهما: اللون والكلمة) أن يصوّرا النموذج بكامل أبعاده: اللوحة تنقش وضعيّة جامدة عن ضيوفٍ جالسين في غرفة استقبال. أين أصواتهم وأحاديثهم. أين رائحة الحطب في الموقد، وهدير المطر في الخارج؟ كلّ هذه المعطيات، مع الألوف غيرها تتمنّع على ريشة الرسّام. كما تستعصي على القصيدة، التي ترفض كلّ مظهر مادي، ولا تقبل سوى العنصر الروحي المحض.



بينما بوسع الرواية أن تهضم الحلو والمرّ، وتستوعب كلّ شاردة وواردة، وأن تجسّد أي حادثة بكافة خلفيّاتها، من كلمةٍ وصباغ، ومن رائحةٍ وصوت. إنها أكثر الفنون شبهًا بالحياة، من دون أن تكون نسخة عنها. لأنها ليست رصدًا لأيّ خبر، أو تجربة معاشة، لأيّ ظاهرة أو مشهد، يقع تحت نظرنا، في أي لحظة، وفي أي وضع نفسي، فليس المهمّ ماذا، بل متى أرى. من أي منظار أطلّ على العالم، ومن أي حالة وجدانية أستشرفه: في الديمومة، عندما يغرق في ماديته، أي في قبحه؛ أم في الأبدية، حين يغدو أثيريًا، جديرًا بالتصوير، فالفنّ محوِّل روحي لتكثيف وتجميد الزمان، ولأنها لا تؤرّخ عمرنا إلّا إذا انقلب فجأة إلى نسيجٍ أسطوري، يتراءى معه أبسط حدث منعطفًا حاسمًا وعلامةً فارقةً على دربنا، خليقة بالتدوين، ولأنها تصوّر نموذجها بعدسة الروح، التي تمزّق غشاءه الترابي، لتظهر جوهره الأثيري، والتي تكشف الجمال، خلال إشراقةٍ من النشوة، مبدّلة كلّ ما تلتقطه إلى آية ساحرة، بصرف النظر عن نصيبه الفعلي من الحسن، فما فائدة أن يقدّم لنا الروائيون عينات من الواقع، طالما نستطيع رؤيتها بنفسنا، دونما حاجة إليهم، فضلهم أن يسجّلوها ببصرهم الجواني، وينقفوا غلافها الهيولي، أن يغيّروها إلى رؤيا داخلية، ويستبدلوا نقود الأرض بعملة السماء.



لو كان بمقدورنا استجلاء مفاتن الكون من دون هذه المقايضة لما كان لهم لزوم، وحدهم يتيحون لنا هذه الإطلالة البهيّة عليه، ويستأثرون بهذه الخمرة الإلهية، ويكبسون مصباح علاء الدين المخبوء في أعماقهم، فيشرقط منه وهج عجائبي، يوالي أمام ناظرينا، لا ذلك الواقع الفجّ، الذي استوحاه زملاءهم في القرن التاسع عشر، مع أنه خيالي أكثر من الخرافات، بل منوال العيش اليومي، الذي يخلو في الحقيقة من الحكايات المثيرة.

إن عدّة عملهم الضرورية هي طاقتهم الهائلة على الوجد. منها يستمدّون زخمًا إبداعيًا، يستكشف أقاصي المجهول، وكنزًا يضفي قيمةً ورونقًا على كلّ ما ينصرونه: جناحًا يحلّقون به في أجواء الابتكار، وتعويذة سحرية تفتح لهم باب الأدب على مصراعيه وبما أنهم يحبّون بورعٍ ديني، وشهية جامحة إلى الحياة، هي في أساس كلّ فورة خلق، جميع الوجوه، فإنهم ينجحون في رسمها من دون استثناء.



وهكذا يتيحون لنا سياحات خرافية، تبعدنا من دون أي وسيلة نقل عن عالمنا ورزنامتنا، سجلّنا العدلي وهويتنا، سأمنا ومصابنا؛ وتعرّينا من ثيابنا البالية، لتكسونا بحلّتها القشيبة، وتقلّنا إلى مدينةٍ أجنبية غارقة وسط الضباب، أو مغمورة بطوفان المطر الصباحي، المتكلّم نثرًا أفصح من أي شعر: أو إلى قاعة استقبال، يتحادث فيها الزوار حول النار، ويفلشون ألبوم الصور، معلّقين على كلّ واحدةٍ منها، مستعيدين من خلالها كلّ ماضيهم، كما نفعل نحن مع ضيوفنا في أماسي الشتاء، أو إلى فندقٍ يحلّ فيه ركّاب يقحطون الوحل عن جزماتهم، ويمسّدون شعرهم المبلّل، ثم يخبرون قصصهم، أو إلى غابةٍ جليدية لصيد الذئاب، أو إلى قطارٍ نتشرّف منه مرابع طفولتنا، تشرّع لنا أبواب الفردوس المفقود، وتدعونا إلى التنزّه فيه على هوانا، أو إلى كرمةٍ تذبل في الخريف، أو إلى مصيفٍ يغادره روّاده بعد انتهاء موسمه. حتى لنكاد نهتف: صح! الأمور تجري عادةً على هذا الشكل، وهذه الهجرة لا تتمّ إلّا إذا أبدع لنا الروائيون محيطًا مجازيًا لا يقل صدقًا عن بيئتنا الفعلية، نطير إليه بالبال، وننساها. المدينة التي يحكون عنها هي بلدتي بكنيستها ومحكمتها، بملعبها وسوقها، بمطبخها ومطعمها، بجريدها وحارتها، بصالونها وثكنتها، بعربتها وعيدها، بحديقتها العامة وبستانها، بسهلها ونهرها، وكلّ مجتمعها، مع بعض الفروقات الطفيفة، التي لا تمسّ الجوهر. تسجيلهم صادق وأخّاذ. أنا معتاد عليه، ولقد عاينت من حولي ما يشبهه. حتى لأوعز لهم بغمزة تواطؤ: لقد اكتشفنا الواقع، وأصبنا درئيته معًا، لقد أسّست وإياكم شركةً للتنقيب عنه، ولقد نجحت، وحقّقت هدفها كاملًا. إنّني أوافقكم على استنتاجاتكم النفسانية، ملتذًّا لأني أفهم آليتها، ومتعهّدًا أن أتخلّص من تأثيرها على قلمي، وأضيف عليها جديدًا؛ معجبًا بذكائكم وفراهتي، وناويًا أن أشرح لسواي دقّة ورهافة فنّكم، ليشهد على أمانتكم، وأن أشير له: انظر كيف عالجوا حادثةً بسيطة، يمكن أن تحصل يوميًا، فلا تجفل بها، وجعلوا منها ملحمةً شائقة، وكيف خلقوا زمانًا سرديًا يطغى على توقيتك الخاص، ويتطابق تمامًا مع مدّة القراءة، وراويًا، تنتظر بفارغ الصبر أن يستيقظ، ويكفّ عن وصف مناماته، ليسرد عليك سيرته، لكنه يصحو، ولا يطلعك عليها. ترافقه إلى السوق، علّه يخبرك بها أمام هذا الدكان أو ذاك، لكنه لا يفعل. تصعد معه الباص، راجيًا أن يكشفها لك على الطريق غير أنه يحجم عن ذلك. تترجّل معه في المرفأ، مؤملًا أن يعرضها لك، فور فروغه من تصوير أحلامه السياحية حول البواخر. إنّما عبثًا. ويجرّك من شارعٍ إلى آخر في المدينة، إلى القرية من دون أن يكون قد أنبأك إلّا بهذه القصّة: سافرت إلى العاصمة صباحًا، ورجعت منها ليلًا.