في عالم يميل إلى التطبيع مع العنف وتبرير الاغتراب، تأتي رواية "راس أنجلة"، الصادرة في شباط 2025 عن "دار نوفل / هاشيت أنطوان"، للكاتبة التونسية إيناس العباسي، كصرخة ناعمة وموجعة تشقّ صمت النمط، وتعيد تعريف مفاهيم الحب، النجاة، والهوية، من خلال قصة امرأة تهرب لا لتنجو فقط، بل لتفهم، وتكتب، وتُعيد خلق ذاتها.
روايةٌ لا تُقرأ فقط بل تُعاش، وتتكشّف تدريجيًا كسيرة ذاتيّة خفيّة، أو كمرآة على وشك الانكسار، عاجزة عن احتواء ما اختزنه الجسد في عبوره الطويل من تونس إلى تولوز.
ناديا، بطلة الرواية، امرأة تونسيّة مهاجرة، تهرب برفقة ابنها يوسف من زوجها الفرنسي فيليب، العسكري السابق العائد من مهمّة قتالية في أفغانستان، محمَّلًا باضطرابات ما بعد الصدمة. الهرب، هنا، ليس مجرّد قرار ظرفي بل هو خلاصة حياة. من هرب الطفولة من عنف الأب، إلى هرب الأم، ثمّ هربها الشخصيّ من تونس بسبب حادثة عنف مرعبة تمارَس باسم "الأخلاق" من رجال ملثّمين، إلى محاولة أخيرة للنجاة من زوجها.
تحوك الكاتبة هذه التجارب من دون تعجُّل أو تشتيت، بل بجماليّة متأنّية، تستدعي الذاكرة وتخلطها بالحاضر، فتظهر تجربة ناديا كتركيب سرديّ ينبع من السيرة الذاتية، والتأمل السياسي، والاجتماعي، والنفسي، وحتى الجسدي.
بين راس أنجلة وتولوز
عنوان الرواية "راس أنجلة"، يحمل دلالة مزدوجة. هو اسم مكان في تونس، لكنّه يوحي أيضًا بمفترق طرق، بنقطة اللاعودة. في المقابل، تولوز في فرنسا، تمثّل حياة جديدة ومؤلمة. لكن، حتى في فرنسا لا تجد ناديا الأمان، بل تواجه عنفًا مضاعَفًا، عنف المجتمع الذكوري، وعنصرية النظام، ووحشيّة المؤسسة العسكرية.
الرواية تنقل هذه الأمكنة بدقّة حسّيّة: الشارع، الحدائق العامة، مراكز الشرطة، المخابز، الشقق الصغيرة، صالونات الحلاقة، المستشفيات... كلّها فضاءات تصنع المشهد السرديّ وتحمل رمزيّة للخَيبة أو الخلاص.
تحتفي الرواية بمدينة تولوز الفرنسية كفضاء للنجاة. لكنّها في الوقت نفسه، ليست مكانًا آمنًا تمامًا. تولوز هنا ليست فقط فضاءً جغرافيًا، بل تتحوّل إلى شخصيّة سرديّة، تتجاور فيها الحداثة مع البرودة، والحرية الظاهرة مع عيون المؤسّسات التي قد تسلب الأم طفلها إن هي اشتكت على زوجها.
ناديا تعيش في توتُّر دائم بين الخوف من فقدان ابنها في فرنسا، وبين الرُّعب من فقدان نفسها في تونس. مشيتها في شوارع تولوز، مراقبتها التماثيل، لا سيّما تمثال الطفل الأحمر بقلنسوة الحمار، تعكس شبح العزلة وتحوّل المدينة إلى مرآة لهويّتها المزدوجة.
الرواية لا تجيب عن سؤال: "أين الوطن؟"، لكنّها توحي بأنّ الوطن قد يكون هو الجسد الذي ننجو به، ونحمله كذاكرة متحرّكة أينما ذهبنا.
وحش خلقه العالم
فيليب هو تجسيد رمزيّ لـ "الذكورة المجروحة". الرجل الذي سحقه النظام العسكري، وتركه معلَّقًا بين فحولته المفترضة، وعجزه النفسي. تنجح العباسي في رسم شخصية معقّدة، تتراوح بين الحنان المدمِّر والعنف العاجز، من دون أن تسقط في التبسيط أو الشيطنة المطلقة.
يتجلّى هذا التوتّر في ذكريات ناديا عن اللحظات الحميمة الأولى، حين كان يغسل شعرها بشامبو الأطفال، ويقبّل جسدها كأنها الكنز الوحيد في حياته، قبل أن ينقلب هذا الحبّ إلى عنف هستيريّ، ممزوج بالهذيان، والهلوسة العسكرية، والغيرة غير العقلانية. تطرح الرواية سؤالًا مرعبًا ومشروعًا: هل يحقّ لنا أن نحبّ من قد يقتلنا؟ أو بالأحرى، لماذا يستمرّ الحب في بعض العلاقات السامة، رغم كلّ الإشارات الحمراء؟
الشِعر ضد الألم
لا يمكن الحديث عن "راس أنجلة" من دون التوقّف عند لغتها. السَّرد في الرواية محكوم بجمالٍ داخلي هادئ، ولغة مشبعة بالشاعرية من دون ابتذال. تستعمل الكاتبة لغةً شفّافة، تضيء التجربة من دون أن تُغرقها في الزِّينة. تشبيهاتها مركّبة من دون تعقيد: "الحبّ مثل نهر بارد يغمرني فأغرق"، "الوشم على جسدي كصوت لا يسمعه أحد"، "الملثّم ذو العينين الزرقاوين مثل حجر يسقط في دوائر ماء غير مرئية".
هذا النثر الشعريّ ليس تجميليًّا، بل وظيفيًّا. يساعد القارئ على الدخول إلى البعد النفسي العميق للبطلة، ويفتح الرواية على قراءات متعدّدة، من السيرة الذاتية إلى الأدب النسويّ إلى الرواية النفسية.
عندما يتكلم الجسد بصمت
من المسارات الأكثر عمقًا في "راس أنجلة"، تلك العلاقة الملتبسة بين الهويّة والجسد، وبين اللّغة والصمت. فالجسد في هذه الرواية ليس مجرّد حاوية للألم، بل هو أرشيف الذاكرة، و "وثيقة سرّية" لا يراها الآخرون لكنها تحكم كلّ قرارات ناديا.
وَشْم الفراشة على عنقها، الذي يتحوّل من علامة حُرّية إلى تهمة "الاسترجال"، يلخّص هذا التحوّل من جسد حرّ، إلى جسد مُدان. إنه الجسد الذي يُخضع للرقابة في تونس، ويُساء فهمه في فرنسا. هذا الازدواج لا يخصّ المكان وحده، بل اللغة أيضًا.
ناديا تعيش بين لغتَين: العربيّة التي تشعر فيها بذاتها، لكنها تُخفيها عن فيليب كي لا "يتجسّس" على نيّاتها؛ والفرنسية، التي تحاول أن تتواصل بها مع العالم، لكنها لا تُعبّر بواسطتها عن الألم. هناك جمل كثيرة تبدأ بالفرنسية وتنتهي بالسكوت، أو تنحرف إلى العربية في لحظة انفعال. بهذا المعنى، تتحوّل الرواية إلى تأمُّل في كيف تُبنى الهوّيّة داخل الاغتراب اللغوي والجسدي، وكيف يمكن للمرأة أن تجد صوتها، بينما تُجبرها الظروف على الصمت أو المراوغة.
إيناس العباسي لا تقدّم إجابات مباشرة، بل تسمح للغة الجسد، ولتجربة الصمت، أن تكونا شكلًا من أشكال السَّرد، بل ومن المقاومة أيضًا.
العمق النفسي
تتميّز الرواية بِبُنية سرديّة مرنة تسمح بالانتقال السَّلس بين الحاضر والماضي، وبين مَشاهد الحياة اليومية والذكريات المؤلمة، من دون أن تفقد القارئ أو تربكه. كما تتجلّى قوّة الرواية في عمقها النفسي، حيث تظهر ناديا كشخصيّة نابضة بالحياة، تتطوّر عبر التجربة، تتعثّر أحيانًا، لكنّها لا تتوقّف عن السعي.
اللغة المستخدَمة على درجةٍ عالية من الرقيّ، إذ تمزج بين الحسّية والرمزيّة، وبين الشعريّة والدقّة التعبيريّة، ما يمنح النَّص جمالًا خاصًا. الطرح النسوي في الرواية جاء ناضجًا وغير مباشر، بعيدًا من الشعارات، نابضًا بما هو معيش وحقيقيّ. كما أنّ الرواية نجحت في بناء رموز غنيّة بالدلالات الثقافية والاجتماعية، مثل الطفل الأحمر، والدراجة الهوائية، والوشم، وهي عناصر تنفتح على أكثر من تأويل.
في المقابل، تعاني الرواية من التكدّس الدرامي، إذ تتوالى الأحداث الصادمة من عنف واغتصاب ومنفى، بوتيرة قد تجهد القارئ وتثقل التجربة السردية.
ماذا بعد الهرب؟
في نهاية الرواية، لا تقدِّم إيناس العباسي حلًّا نهائيًا أو نهاية مغلقة. ناديا لا تعود إلى فيليب، لكنّها أيضًا لا تملك وطنًا بديلًا كاملًا. تتأمل التمثال، تمشي في المدينة، تراقب ابنها، وتُعيد اختراع شكل حياتها.
في ذلك، تكمن قوّة الرواية. إنها لا تبيعك الأمل الرخيص، بل تهمس لك: ربّما لا ننجو أبدًا بالكامل، لكن يمكننا أن نعيد سرد الحكاية، ونكتب معنى آخر لأنفسنا، بالحبر، لا بالدَّم.
"راس أنجلة" شهادة أدبيّة على أنّ الهرب أحيانًا ليس جبنًا، بل شجاعة فائقة، وعلى أن بعض الجراح لا تشفى، لكنها تصبح علامات طريق.
من هي إيناس العباسي؟ شاعرة وكاتبة ومترجمة تونسيّة (مواليد تونس، 1982). نالت "جائزة أحسن كتاب شعري تونسي" لسنة 2004 عن "أسرار الريح"، و "جائزة المعهد الدنماركي بدمشق" عن قصّتها "حرب سنة 2012"، و "جائزة الكريديف" عام 2007 عن كتابها الشعري "أرشيف الأعمى"، و "جائزة الكومار" سنة 2018 عن "منزل بورقيبة". تُرجمت قصصها وقصائدها إلى الفرنسيّة والإنكليزيّة والكوريّة والسويديّة والدنماركيّة والإسبانيّة. |
