لن تختفي الوظائف التقليدية تمامًا لكننا نشهد تغيّرًا سريعًا مع النموّ المتوّقع للوظائف الرقمية وما تقدّمه من مرونة في العمل وإنتاجية أكبر. ومع تحوّلها التدريجي إلى نمط مستقبلي عالميّ بفضل الذكاء الاصطناعي، سنشهد تحوّلًا جذريًّا في سوق العمل المستقبلي.
ثمة فارق ما بين الوظائف الرقمية والتقليدية على صعيدي المهارات المطلوبة وسوق العمل، حيث تتطلّب الأولى مهارات تقنية كأدوات السحابة، تحليل البيانات، البرمجة، الأمن السيبراني، تصميم تجربة المستخدم، والتسويق الرقمي ومهارات ناعمة كالتعلّم الذاتي وإدارة الوقت عن بُعد، معتمدة على سوق عمل حرّ، عالميّ ومرن، وعلى تعلّم مستمرّ لمواكبة المنافسة العالية وفرص النمو السريعة. فيما تعتمد الثانية على مهارات تخصصية ميدانية مثل تشغيل الآلات، خدمة مباشرة للعملاء، مع اعتماد أقل على الأدوات الرقمية. وغالبًا ما يكون سوق عملها محليًا، مقيّدًا جغرافيًا، يتميز بعقود ثابتة ونموّ أبطأ، ومرتكزًا على الخبرة الطويلة والمسار الوظيفي المحدد.
ويشير الخبير التكنولوجي ريشار صفير إلى أننا نعيش مرحلة فريدة في سوق العمل، حيث لا يقتصر الأمر على استبدال الوظائف التقليدية بالرقمية، بل هناك مزيج من التحول والتكامل بما يسمّى "عصر التهجين الوظيفي"، الذي تتداخل فيه المهارات الرقمية والتقليدية معًا لتطوير بعض الوظائف خصوصًا في القطاعات الخدماتية والصناعة، لكن ذلك يتطلّب اكتساب مهارات رقمية جديدة من أجل التعامل مع الأدوات والأنظمة الحديثة. إضافة إلى ابتكار وظائف رقمية جديدة تعتمد على التخصص في الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات والأمن السيبراني. ويلفت إلى أن تكامل الجهود البشرية والرقمية لا يهدف إلى الاستغناء عن البشر بل إلى تعزيز قدراتهم لأن الأدوات الرقمية تساهم في تحسين أداء المهنيين وزيادة إنتاجهم. كما تساهم الرقمنة في تحسين العمليات التشغيلية وخفض التكاليف ورفع جودة المنتجات والخدمات.
وردًا عن سؤال حول أبرز المجالات المهنية التي أصبحت معتمدة كليًا على الوظائف الرقمية، يجيب: "لا تتوافر مهنة رقمية 100 % بدون تدخل بشري، فالإبداع واتخاذ القرار وحل المشكلات المعقدة تظل مهامَّ بشرية. لكن، هناك قطاعات قد أصبحت رقمية أولًا (Digital-First)، لا تعمل من دون التقنيات الحديثة مثل:
- تكنولوجيا المعلومات وتطوير البرمجيات: يشمل مطوّري الويب والتطبيقات، مهندسي البرمجيات، خبراء الأمن السيبراني، مديري قواعد البيانات، متخصصي الحوسبة السحابية، وعلماء الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة.
- التسويق الرقمي: يضم متخصصي تحسين محركات البحث (SEO)، التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسويق المحتوى، التسويق بالبريد الإلكتروني، إعلانات الدفع لكل نقرة (PPC)، ومحللي الويب.
- التجارة الإلكترونية: تعتمد كليًا على المنصات الرقمية لبيع المنتجات والخدمات وشرائها، وتشمل وظائف إدارة المتاجر الإلكترونية، تحليل بيانات العملاء، إدارة سلاسل التوريد الرقمية، وتصميم تجربة المستخدم.
- تحليل البيانات وعلم البيانات: تختص بجمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها وتفسيرها لاتخاذ القرارات، وتتطلب أدوات ومنصات رقمية متخصصة.
- التصميم الغرافيكي الرقمي وتصميم تجربة المستخدم.
- الألعاب الإلكترونية: صناعة رقمية بالكامل، تشمل تطوير الألعاب وتصميمها وبرمجتها واختبارها.
- التعليم عن بعد (E-learning): يعتمد بشكل كبير على المنصات والأدوات الرقمية للتدريس والتعلم، من الفصول الافتراضية إلى أنظمة إدارة التعلم.
- الخدمات المالية الرقمية (Fintech): تُنجز الكثير من الخدمات المصرفية والاستثمارية والتأمين الآن عبر تطبيقات ومنصات رقمية بالكامل.
وعمّا إذا كانت الوظائف الرقمية أكثر استقرارًا، يقول: "ليست الوظائف الرقمية ثابتة بالمعنى التقليدي بل تتميّز بالاستقرار الديناميكي، ومع تزايد الطلب عليها ونمو الاقتصاد الرقمي، تفرض التطورات التكنولوجية المتسارعة تحديات تتطلب تكيّفًا مستمرًّا".
وما يجعل الوظائف الرقمية مرغوبة حاليًا وفق صفير: "اتجاه سوق العمل العالمي نحو الرقمنة بشكل متسارع، ما يخلق طلبًا مستمرًا على مهارات مثل الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، وتطوير البرمجيات. إضافة إلى مرونة كبيرة في العمل وتوسّع نطاق الفرص عالميًا لأن الكثير من الوظائف الرقمية تتيح العمل عن بُعد. فضلاً عن الأجور التنافسية، إذ غالبًا ما تكون في هذا القطاع أعلى من المتوسط بسبب ندرة الكفاءات والطلب المتزايد. وأخيرًا الابتكار المستمر، حيث أن البيئة الرقمية محفزة للابتكار، وتوفر فرصًا دائمة لتعلّم مهارات جديدة وتطوير الذات".
في المقابل، هناك تحديات تؤثر في استقرار هذه الوظائف تتمثل بـ "تطوّر التقنيات بوتيرة هائلة بحيث تصبح المهارات المطلوبة اليوم قديمة غدًا، ما يتطلب تعلّمًا مستمرًا، وإنجاز الذكاء الاصطناعي بعض المهام الروتينية، ما يدفع العاملين إلى التركيز على الأكثر تعقيدًا وإبداعًا. كما يعزز العمل عن بُعد المنافسة ليشمل مواهب من جميع أنحاء العالم؛ وتحدد المهارات الأساسية التي يمتلكها الفرد وقدرته على تطويرها قيمته في هذه السوق.
وبالتالي ليست الوظائف الرقمية مستقرة بالمعنى التقليدي، بل هي في حال تطور وتكيّف دائمين. لذلك، لتحقيق "الاستقرار"، يجب أن يكون الأفراد مرنين، قادرين على التكيف، ومُلزمين بالتعلم المستمرّ، ليبقوا على صلة بسوق العمل المتغيّر ما يجعل مستقبلهم واعدًا رغم سرعة التطور التكنولوجي".
ويتحدث صفير عن مخاطر اجتماعية واقتصادية مرتبطة بتراجع الوظائف التقليدية، أبرزها زيادة البطالة عند الفئات التي تفتقر للمهارات الرقمية، اتساع فجوة الدخل واللامساواة في الأجور ما بين ذوي المهارات الرقمية وذوي المهارات التقليدية، الضغط على شبكات الأمان الاجتماعي والحاجة إلى برامج دعم بسبب البطالة، التفكك الاجتماعي وتآكل الهوية المهنية اذ يؤثر فقدان الوظائف على الاستقرار الأسري والمجتمعي، كما يفقد الأفراد جزءًا من هويتهم المرتبطة بمهنتهم. وتؤدي البطالة وعدم اليقين الوظيفي إلى ضغوط نفسية وقلق. وتؤثر التحولات الديموغرافية والاجتماعية، على المناطق التي تعتمد على الصناعات التقليدية بشكل خاص، ما يؤدي إلى هجرة داخلية أو خارجية.
ويشدد على حاجة لبنان إلى استراتيجية ليتكيّف مع التحوّل الرقمي ومواجهة البطالة، ترتكز على تحديث المناهج لتعليم المهارات الرقمية، وإطلاق برامج تدريب مكثفة للشباب والعاطلين عن العمل، وتشجيع التعلّم المستمر؛ تحسين جودة الإنترنت وتخفيض تكاليفه، وتحديث شبكات الاتصالات، وحل مشكلة انقطاع الكهرباء؛ توفير بيئة داعمة للشركات الناشئة الرقمية عبر تبسيط الإجراءات والحوافز وتسهيل التمويل، سن قوانين حديثة للأمن السيبراني وحماية البيانات، ورقمنة الخدمات الحكومية، ومكافحة الفساد وتشجيع استثمارات ونقل خبرات الجالية اللبنانية الكبيرة في الخارج.
مهارات سوق العمل الرقمي - المهارات التقنية: تشمل محو الأمية الرقمية، تحليل البيانات، البرمجة الأساسية، التسويق الرقمي، وسائل التواصل الاجتماعي. - المهارات الناعمة: أساسية للتكيف مع البيئة الرقمية، مثل التعلم المستمر والمرونة، حل المشكلات المعقدة، التفكير النقدي، التواصل الفعال الافتراضي، والعمل التعاوني عن بُعد. يجب ألا يتوقّف الطلاب والخرّيجون عن اكتساب المهارات الجديدة، والبحث عن الخبرة العملية عبر المشاركة في التدريبات الصيفية، المشاريع التطوعية، أو العمل الحر (Freelancing)لبناء سجل خبراتهم. كما الاستفادة من الموارد المتاحة عبر استخدام المنصات التعليمية عبر الإنترنت والشهادات المهنية لتعزيز ملفاتهم الشخصية. |