واشنطن - بدأ المشهد الدبلوماسي في الشرق الأوسط يُظهر تحوّلًا ملحوظًا عنوانه مسار العلاقات بين سوريا وإسرائيل. وقد حظي هذا التفاعل الناشئ باهتمام دولي وأميركي واسع، ولا سيّما مع اضطلاع الولايات المتحدة بدور محوري. فبعد أن صرّح توم برّاك، السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي إلى سوريا، بأن "الحوار قد بدأ"، تحوّل هذا الحوار إلى صراع محتدم في جنوب سوريا بشكل خاص على محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، أدخل تل أبيب إلى الساحة من باب المواجهة، فيما دان برّاك بشدّة "العنف ضدّ المدنيين في السويداء"، داعيًا "جميع الأطراف إلى التراجع والانخراط في حوار هادف".
وفي ظلّ إعادة ترتيب المواقف الاستراتيجية، تُمثل المناقشات المتجدّدة بين سوريا وإسرائيل منعطفًا حاسمًا في تاريخ المنطقة المضطرب. تكشف التحليلات عن مشهد متحوّل لسوريا، ولا سيّما بعد سقوط نظام الأسد. ويبدو أنّ الحكومة الإسرائيلية تُدرك أن وجود جار مستقرّ يمكن أن يعزّز الأمن الإقليمي... ولكن ليس على حساب "التخلّي عن الدروز في سوريا"، يقول مصدر في واشنطن.
يقود الإدارة السورية الجديدة الرئيس أحمد الشرع، الذي ينصبّ تركيزه على منع الصراعات وإعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي وبناء الدولة الطموحة. فالمحادثات الحالية، بحسب مصدر قريب من المفاوضات غير المباشرة، تفتح آفاقًا لحلول عملية للتحدّيات المشتركة بدلًا من الانصياع للتحوّلات الجيوسياسية الكبرى، وقال: "نبحث عن مسار للمضي قدمًا يتجنّب مآزق الماضي".
وبين تل أبيب ودمشق عدد لا بأس به من الأعداء المشتركين والمصالح المشتركة، تبدأ من سيطرة جماعة الشرع، أي "هيئة تحرير الشام" على البلاد في كانون الأول الماضي والتي أدّت إلى فراغ في جنوب سوريا دفع إسرائيل إلى تعزيز موقفها الدفاعي هناك، ولا تنتهي في محاولات "حزب اللّه" وإيران الضعيفين لإعادة فرض وجودهما في هذه المناطق. غير أنّ مصادر في واشنطن تؤكّد وجود "تفاهم ضمني" بين أنقرة وتل أبيب في شأن "حدود أنشطتهما".
ويبدو أن "المسؤولين الأميركيين يضغطون على سوريا للانضمام إلى اتفاقات أبراهام أو ترتيب آخر"، مستغلّين مزيجًا من الحوافز وتخفيف العقوبات كوسيلة لجذب سوريا إلى الساحة الدبلوماسية والدخول في حوار لحلّ معضلة مرتفعات الجولان، بحسب ما قال كريستيان كوتس أولريشسن من معهد بيكر للسياسات العامة لـ "نداء الوطن"، بينما أشار خبراء آخرون إلى أن مسألة الطاقة قد تتصدّر العناوين الخلفية لجهة تعزيز دور إسرائيل في تثبيت الأمن الاقتصادي في سوريا. إذ يمكن لإسرائيل تزويد سوريا بالغاز الطبيعي من حقولها في شرق البحر الأبيض المتوسط بمساعدة العديد من الجهات الفاعلة في المنطقة. وهذا الأمر، بحسب الخبراء، يشمل تأمين الحدود مع الأردن وإدارة روافد حوض نهر اليرموك.
وتؤكد الدوافع الاستراتيجية المحيطة بهذه النقاشات الحاجة الملحّة لتطبيع العلاقات السورية - الإسرائيلية. ووفقًا لمصدر دبلوماسي في واشنطن، تمثل هذه اللحظة "فرصة استراتيجية" لإسرائيل لتأمين حدودها الشمالية. وتُبرز سيطرة الجيش الإسرائيلي المستمرّة على أجزاء من جنوب سوريا، المصنّفة بحكم الأمر الواقع "منطقة أمنية عازلة"، الحاجة الملحّة إلى جار أكثر استقرارًا وتعاونًا. بالنسبة إلى سوريا، الدوافع مُلحّة بالقدر نفسه. فالبلد الذي مزّقته الحرب بحاجة ماسة إلى إنعاش اقتصادي، يعتمد على الاستثمار الأجنبي ورفع العقوبات المُنهِكة. يُدرك كلا البلدين مصلحتهما المشتركة في إرساء ترتيب أمني، على أقلّ تقدير، وهو هدف يُمكن أن يُمهّد الطريق لتعاون أعمق في المستقبل.
وتؤدي الولايات المتحدة دورًا لا غنى عنه في هذا المشهد المُتطوّر، حيث تُعطي إدارة ترامب الأولوية لتوسيع "اتفاقات أبراهام"، وتُصوّر سوريا كركيزة للتفاعل الدبلوماسي في المنطقة. وقد أعرب مسؤولون أميركيون عن دعمهم لأي اتفاق يُعزز "الاستقرار الإقليمي ويحدّ من نفوذ إيران"، ما يعكس رؤية استراتيجية أوسع تتجاوز العلاقات الثنائية بين إسرائيل وسوريا لتشمل لبنان أيضًا.
مع ذلك، ورغم التفاؤل الحذر الذي يُحيط بهذه الأجواء الحوارية، لا يزال الطريق أمام الأفرقاء محفوفًا بالتعقيدات. وتُشكّل العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتحدّيات الأمنية الداخلية المستمرّة في سوريا، والنزاعات حول مرتفعات الجولان، عقباتٍ كبيرة أمام التقدّم. وبينما تضاءل نفوذ إيران وروسيا، لا تزال مصالحهما الاستراتيجية تُعقّد الديناميكيات الهشّة أصلًا. وفي حين أنّ التطبيع الكامل، على غرار "اتفاقات أبراهام"، يبدو بعيد المنال على المدى القصير، إلّا أنّ فرص تحقيق المصالح المتبادلة لا تزال في متناول اليد.