بعد الضربات الإسرائيلية "التحذيرية" على أهداف تابعة لدمشق في محافظة السويداء الثلثاء على خلفية إعلان إسرائيل التزامها بحماية دروز سوريا والحفاظ على منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، ومع استمرار الاشتباكات الضارية بين قوات دمشق والمسلّحين الدروز التي أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص، وتواصل الانتهاكات الطائفية الجسيمة بحق المدنيين الدروز وممتلكاتهم، نفّذت إسرائيل أمس ضربات جوية مباشرة استهدفت مداخل مباني قيادة الأركان ووزارة الدفاع في قلب دمشق، كما طالت الغارات منطقة القصر الرئاسي ومبنى في حي المالكي وقصر تشرين، فيما تكثفت الغارات الإسرائيلية على الأهداف التابعة لدمشق في السويداء ودرعا وريف دمشق، وذلك بعدما جزم وزير الدفاع الإسرائيلي بأن "التحذيرات إلى دمشق انتهت والآن ستأتي الضربات المؤلمة"، مؤكدًا أنه "سيواصل جيش الدفاع الإسرائيلي العمل بقوة في السويداء لتدمير القوات التي هاجمت الدروز حتى انسحابها الكامل". ومساء، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الأطراف المختلفة التي تقاتل في سوريا اتفقت على خطوات محدّدة من شأنها إنهاء الاشتباكات.
وتوجّه كاتس إلى دروز إسرائيل، الذين اجتاز المئات منهم الحدود ودخلوا سوريا أمس، بالقول إنه "يمكنكم الوثوق بجيش الدفاع الإسرائيلي في أنه سيحمي إخوانكم في سوريا". كما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لدروز بلاده أن الوضع في السويداء خطر جدًا، مشددًا على أنه "نحن نعمل من أجل إنقاذ إخواننا الدروز ومن أجل القضاء على عصابات النظام". ودعاهم إلى عدم عبور الحدود والسماح للجيش الإسرائيلي بالقيام بمهامه، لكن الكثير منهم استمرّ في العبور بعد ذلك. ويأتي ذلك بعدما أكد الرئيس الروحي لدروز إسرائيل موفق طريف أنه "سنفعل كل ما يلزم، بما في ذلك عبور السياج، إذ إن ما حدث في 7 أكتوبر يحدث الآن في السويداء"، موضحًا أن "الطائفة الدرزية في سوريا تتعرّض لحرب إبادة ومذابح". وأشار إلى أن الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية ورؤساء المجالس الدرزية وأعضاء الكنيست قرّروا إعلان إضراب فوري وأيام غضب احتجاجًا على المذبحة في سوريا، كما قرّرت قيادات الطائفة التوجّه الفوري الى هضبة الجولان والاعتصام هناك.
في الغضون، أجرى نائب رئيس الأركان الإسرائيلي تقييمًا للوضع في منطقة مجدل شمس مع قوات الشرطة ورؤساء السلطات المحلّية في المنطقة، مؤكدًا أنه "نكثف وتيرة الضغط والضربات، فهاجمنا حتى في دمشق وسنواصل الهجوم في منطقة جنوب سوريا"، بينما أوعز رئيس الأركان إيال زامير، الذي زار بدوره الحدود مع سوريا، بإرسال تعزيزات إضافية لوسائل جمع المعلومات والاستطلاع ووسائل هجومية، إلى جانب الدفع بقوات إضافية، إلى القيادة الشمالية، لزيادة وتيرة الضربات ووقف الهجمات ضد دروز سوريا. وتوعّد بأنه "سنكثف ونوسع عملياتنا في سوريا إذا لم يجر التوصل إلى وقف لإطلاق النار".
وبعد الهجمات الإسرائيلية العنيفة، أطلّ شيخ عقل دروز سوريا يوسف جربوع وقرأ بنود اتفاق مع دمشق من أجل وقف النار والتهدئة في السويداء، بالتزامن مع تأكيد الداخلية السورية رسميًا توصلها إلى اتفاق في شأن السويداء ونشرها بنوده، إلّا أنه بُعيد ذلك شدد الزعيم الروحي لدروز سوريا حكمت الهجري على ضرورة مواصلة "الدفاع المشروع" ضد "العصابات الإرهابية المسلحة الإجرامية"، في حين استمرت الغارات الإسرائيلية على أهداف تابعة لدمشق بعد إعلان وقف النار من قبل الداخلية السورية. وأفاد "المرصد السوري" بوقوع انفجارات في مطار المزة العسكري بالتزمن مع غارات إسرائيلية على المعضمية في ريف دمشق. وكشفت وكالة "رويترز" اندلاع اشتباكات جديدة في مدينة السويداء مساء أمس رغم إعلان وقف النار.
وأشاد الهجري بـ "شباب الجبل الأبطال"، داعيًا إياهم إلى مواصلة التصدّي لـ "العدوان الوجودي". واعتبر أن "تحرير كامل تراب المحافظة من هذه العصابات واجب وطني وإنساني وأخلاقي لا تهاون فيه"، جازمًا بأنه "لا يوجد أي اتفاق أو تفاوض أو تفويض مع هذه العصابات التي تسمي نفسها زورًا حكومة". وحذر من أن "أي جهة أو شخص يخرج عن هذا الموقف الموحّد ويتواصل أو يتفق مع هذه الجماعات من طرف واحد، سيُعرض نفسه للمحاسبة القانونية والاجتماعية من دون استثناء أو تهاون"، داعيًا من تبقى من عناصر هذه الجماعات إلى تسليم أنفسهم.
في الغضون، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بأن تل أبيب أطلقت أكثر من 100 صاروخ على دبابات وآليات لدمشق في السويداء، بينما أفاد "المرصد السوري" بأن إسرائيل استهدفت مواقع لتجمع عناصر من وزارة الدفاع في محيط قريتي ولغا والمجيمر في ريف السويداء، إلى جانب قوات دمشق داخل مدينة السويداء، كاشفًا عن مقتل ثلاثة قياديين من وزارة الدفاع من جرّاء الاستهدافات التي طالت قرية المجيمر. كما ذكر أنه قُتل ضابط منشق عن النظام السابق وقياديان في وزارة الدفاع بغارات إسرائيلية في مناطق متفرقة من محافظة السويداء.
وأوضح "المرصد" أن تل أبيب استهدفت مواقع عدة داخل مدينة درعا ومحيطها، حيث تركّزت الغارات على محيط قصر المحافظ وفرع الأمن العسكري ومبنى النفوس داخل المدينة، كما طالت الغارات مواقع عسكرية تابعة لدمشق والفصائل الموالية لها وأوتوستراد درعا - دمشق. أمّا في محافظة ريف دمشق، فشنت تل أبيب غارات جوية على منطقة الكسوة جنوب دمشق، بالإضافة إلى بلدتي غباغب وموثبين ومحيط الفرقة العاشرة في مدينة قطنا.
في هذا الإطار، دانت الخارجية السورية بأشد العبارات "العدوان الإسرائيلي الغادر الذي استهدف مؤسسات حكومية ومنشآت مدنية في كل من العاصمة دمشق ومحافظة السويداء، ما أسفر عن عدد من القتلى وسقوط عشرات الجرحى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والمرافق العامة". وأكدت أنها ستحتفظ بكامل حقوقها المشروعة في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي، داعية مجلس الأمن إلى "تحمّل مسؤولياته واتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لوضع حدّ للعدوان الإسرائيلي المتكرّر". وتظاهر آلاف السوريين في عدة محافظات للتنديد بالهجمات الإسرائيلية على البلاد ورفضًا للتدخل الأجنبي في شؤونها.
وبينما دانت رئاسة الجمهورية السورية الانتهاكات بحق الأهالي في محافظة السويداء، متعهّدة بمحاسبة المتورّطين، أفاد موقع "السويداء 24" بأن عناصر من قوات دمشق تقتحم بيوت المدنيين وتنهبها وتنفذ عمليات إعدام ميدانية بحق عزل، موضحًا أن "العديد من عناصر القوات الحكومية يضع شارات لتنظيم "داعش" الإرهابي على ثيابه العسكرية، والكثير من عمليات القتل تجرى على أساس طائفي"، في وقت اعتبر فيه قائد "قسد" مظلوم عبدي أن "قتل النساء والأطفال والاعتداء على الرموز الدينية جريمة بحق الإنسانية وقيم السوريين، ويجب وقف هذه الأعمال العدوانية فورًا ومحاسبة المسؤولين عنها"، مشيرًا إلى أن "قضية أهلنا الدروز قضية وطنية، وحلّها يجب أن يكون دستوريًا وعبر الاحتكام للحوار".
أميركيًا، أكد الرئيس دونالد ترامب أن إدارته تسعى إلى خفض التصعيد في سوريا. ولاحقًا، تحدّث روبيو عن اتفاق الأطراف المختلفة على خطوات محدّدة من شأنها إنهاء الاشتباكات، موضحًا أنه "أشركنا جميع الأطراف المنخرطة في الاشتباكات في سوريا، واتفقنا على خطوات محدّدة من شأنها إنهاء هذا الوضع المقلق والمرعب الليلة". وذكر أنه "سيتطلّب ذلك من كلّ الأطراف الوفاء بالالتزامات التي تعهدوا بها وهذا ما نتوقع منهم أن يفعلوه بالكامل". وكانت الخارجية الأميركية قد دعت دمشق إلى سحب قواتها للسماح بخفض التصعيد.
دبلوماسيًا، دانت الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية والإمارات وقطر وغيرها من المنظمات والدول الهجمات الإسرائيلية على سوريا، بينما أكد وزيرا الخارجية السعودي فيصل بن فرحان والتركي هاكان فيدان خلال اتصال هاتفي أن الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت سوريا من شأنها أن تضرّ بالخطوات المتخذة لإرساء الاستقرار فيها. وذكر فيدان أنه "نقلنا إلى إسرائيل وجهات نظرنا في شأن غاراتها على سوريا عبر المخابرات".