محمد البابا

أوكرانيا تعيد تشكيل حكومتها لتعزيز الإنتاج العسكري والاستعداد لعودة الدعم الأميركي

7 دقائق للقراءة

في ظل تحولّات كبرى على الصعيدين الميداني والدبلوماسي، أجرت أوكرانيا أوسع تعديل حكومي منذ بدء الحرب مع روسيا، في خطوة حملت أبعادًا تتجاوز تبديل الوجوه، لتصب في خانة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة استعدادًا لموجة جديدة من الدعم العسكري الأميركي، المموّل أوروبيًا، وعلى رأسه تسليم ما يصل إلى 16 منظومة "باتريوت" دفاعية.


الرئيس فولوديمير زيلينسكي لم يكتفِ هذه المرة بإعادة توزيع بعض المناصب، بل أراد تشكيل فريق حكومي يعكس رؤية هجومية في إدارة الحرب والإنتاج العسكري. التغيير الأبرز تمثّل بتعيين يوليا سفيريدينكو رئيسة للوزراء، وهي شخصية اقتصادية تتمتع بعلاقات جيدة مع الغرب، كما نُقل رئيس الحكومة السابق دينيس شميغال إلى منصب وزير الدفاع، ما يعكس تركيزًا على الملفات الصناعية والعسكرية في آنٍ معًا.


يُعدّ نقل شميغال إلى وزارة الدفاع خطوة استراتيجية، تهدف إلى ربط السياسة الدفاعية بالإنتاج العسكري المحلي. شميغال، الذي قاد الحكومة خلال أصعب سنوات الحرب، يمتلك خبرة إدارية عميقة ويُنظر إليه كشخصية تنفيذية يمكنها الدفع بعجلة التصنيع الدفاعي، لا سيما في ظل سعي أوكرانيا للوصول إلى اكتفاء ذاتي بنسبة 50 % من الذخائر والمعدات خلال الأشهر المقبلة.


في موازاة ذلك، تم تعيين وزير الدفاع السابق رستم أوميروف سفيرًا لأوكرانيا في الولايات المتحدة، وهي خطوة تعكس رغبة كييف في تعزيز التمثيل الدبلوماسي الدفاعي أمام إدارة ترامب، حيث يُنتظر من أوميروف لعب دور محوري في تسهيل استئناف شحنات الأسلحة والتنسيق مع البنتاغون والكونغرس الأميركي.


يأتي هذا التعديل الوزاري بالتزامن مع إعلان أميركي-أوروبي عن بدء تسليم دفعة كبيرة من منظومات "باتريوت" الدفاعية، يفترض أن يصل عددها إلى 16 منظومة خلال النصف الثاني من 2025، وذلك ضمن اتفاق متعدد الأطراف يقضي بتمويل أوروبي جزئي، ومساهمة الولايات المتحدة بمنظومات سُحبت من قواعدها في إسرائيل وألمانيا.


أوكرانيا، التي سبق أن استلمت 6 منظومات باتريوت فعالة، تعمل منذ أشهر على بناء قواعد تشغيل واستيعاب المنظومات الجديدة، مع تدريب أكثر من 1200 عنصر على تشغيلها، ضمن برامج متسارعة تنظمها دول حليفة. وتشير تقديرات وزارة الدفاع الجديدة إلى أن الوصول إلى 25 منظومة باتريوت سيُحدث نقلة نوعية في حماية العمق الأوكراني من الصواريخ الباليستية والمسيّرات، لا سيما في ظل تصعيد روسي يعتمد على الإغراق الجوي.


إلى جانب استقبال الدعم الخارجي، وضعت الحكومة الجديدة في كييف هدفًا واضحًا: تحقيق زيادة حادة في الإنتاج العسكري المحلي، وتشجيع التحالفات مع القطاع الخاص والشركات الغربية. فخلال الأشهر الماضية، بدأ تطوير منظومات محلية مثل "Palianytsia" و"Peklo"، وهي صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى يُنتظر أن تُكمل فجوات الدفاع الجوي في المناطق غير المغطاة بالباتريوت.


الرئيس فولوديمير زيلينسكي أثبت خلال سنوات الحرب أنه لا يكتفي بطلب السلاح، بل يضغط بشكل ممنهج لتحويل أوكرانيا إلى شريك صناعي في الدفاع الأوروبي والغربي، وليس مجرد متلقٍ للمساعدات. استطاع أن يُقنع عدداً من الدول الغربية – بينها ألمانيا، الدنمارك، النرويج، والسويد – بأن دعم أوكرانيا لا يجب أن يقتصر على التسليح، بل يجب أن يشمل أيضاً تمكينها صناعياً كي تصبح أكثر قدرة على الاكتفاء الذاتي مستقبلاً، وبالتالي تقليل العبء على الشركاء الغربيين.


ألمانيا بدأت بالفعل بدعم إنشاء مصانع في أوكرانيا لإنتاج ذخائر المدافع من عيار 155 ملم، وهي الذخائر التي تُعد أساسية في الحرب البرية. وهذا لا يعكس فقط ثقة برلين بقدرة كييف التصنيعية، بل يؤشر إلى بداية تحول في فلسفة الدعم الغربي نحو الاستثمار في البنية التحتية الدفاعية الأوكرانية.


الدنمارك والنرويج والسويد بدورها التزمت بدعم جهود كييف لإعادة تشغيل وتحديث بعض المصانع الحربية القديمة التي تعود للحقبة السوفيتية، وهي خطوة استراتيجية لأنها تجمع بين الإرث الصناعي الثقيل والخبرة الحديثة الغربية، مما يخلق نموذجاً إنتاجياً مشتركاً قادرًا على تلبية الطلبات الطارئة والمستمرة على الذخائر والأسلحة.


كما تراهن كييف على تعزيز قدرات مصنع "آرتيوم" الشهير لإنتاج الصواريخ، رغم تعرضه المتكرر للغارات الجوية الروسية، في محاولة روسية واضحة لتعطيل أي نهضة صناعية عسكرية. هذا المصنع، الذي لعب دوراً محورياً في تطوير بعض أنواع الصواريخ التكتيكية، لا يزال أحد أعمدة الصناعة الدفاعية، وتحاول الحكومة الأوكرانية توفير الحماية له وتعزيز إنتاجه عبر دعم غربي فني وتقني.


بفضل دبلوماسية زيلينسكي النشطة، بات لدى أوكرانيا اليوم شراكات صناعية فعلية لا تقتصر على تلقي الدعم، بل تبني خطوط إنتاج على الأرض الأوكرانية، ما يعزز فكرة أن كييف تتحول تدريجياً إلى دولة مصنّعة للسلاح، وليس فقط مستخدمة له، وهو تطور استراتيجي قد يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقلال الدفاعي والتكامل مع الصناعات الغربية.


وفي هذا السياق، فإن شميغال يملك تفويضًا واسعًا من الرئيس زيلينسكي لتحويل وزارة الدفاع إلى "غرفة عمليات صناعية"، تتولى التنسيق بين طلبات الجبهات، والإنتاج، والتعاون الدولي. ويُرجح أن عودة الدعم الأميركي مرتبطة مباشرة بمدى قدرة الحكومة الجديدة على إثبات الجاهزية الميدانية والتنظيمية.


لكن ما يلفت النظر أن أوكرانيا لم تنتظر المساعدات فحسب، بل نجحت خلال حكومة شميهال السابقة في تحقيق قفزة نوعية في الصناعات العسكرية، ما يُعتبر إنجازًا لافتًا في ظل الحرب الشاملة. طوّرت كييف عددًا من الأنظمة الحديثة، بينها صاروخ "نبتون" أرض-بحر الذي استُخدم في استهداف السفن الروسية بالبحر الأسود، وأسطول المسيرات البحرية الأوكراني الذي أصبح الأول من نوعه عالميًا، وحقق نجاحات عملياتية كبيرة. كما باتت أوكرانيا تُعد من الدول الرائدة عالميًا في صناعة المسيّرات الهجومية، التي أصبحت سلاحًا مركزيًا لكل الجيوش، حيث استخدمتها كييف في توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة، وصلت إلى أعماق الأراضي الروسية.


وإضافة إلى ذلك، طوّرت أوكرانيا عددًا من أنظمة الدفاع الجوي، والدبابات، والمركبات المدرعة، والتقنيات الميدانية، كجزء من سياسة وطنية جديدة تهدف للوصول إلى الاكتفاء الذاتي في التسليح بحلول عام 2028 بنسبة 100%. ويعتمد هذا التوجّه الطموح على استراتيجية سنوية لتطوير الصناعات الدفاعية، بما يشمل تحديث المصانع القديمة من الحقبة السوفيتية، واستثمار الدعم الأوروبي لإنشاء خطوط إنتاج متقدمة.


بينما تنقسم الآراء في واشنطن حول استمرار تقديم الدعم لأوكرانيا، ترى كييف في تعيين أوميروف سفيرًا في العاصمة الأميركية، إشارة إلى أن زيلينسكي يراهن على القنوات المباشرة مع إدارة ترامب، ويأمل في تجديد مسار الدعم بشروط جديدة، بعيدًا عن البيروقراطية السابقة.


كل هذه المؤشرات تؤكد أن أوكرانيا دخلت مرحلة جديدة عنوانها التحوّل من دولة متلقية للسلاح إلى دولة مصنّعة له، وهو ما سيغيّر مستقبل الحرب وقدرات أوكرانيا الدفاعية لعقود قادمة.


وفيما تستعد أوكرانيا لخريف ساخن ميدانيًا، يبدو أن التعديل الحكومي لم يكن مجرد حركة داخلية، بل استراتيجية متعددة المسارات: سياسية، عسكرية، دبلوماسية، وصناعية، تهدف إلى إيصال رسالة واحدة: كييف لن تنتظر، بل تستعد لكل سيناريو، ومعها منظومات دفاعية من الجيل الأحدث، وفريق حكومي جديد بمهام استثنائية.


تسير أوكرانيا نحو مرحلة جديدة من الحرب، مرحلة عنوانها "الاعتماد على النفس والاستثمار في الشراكة الذكية". والتعديل الحكومي الأخير ليس سوى تمهيد لموجة تحوّل أكبر، ستتوقف نتائجها على الجبهات الميدانية، كما في قاعات السياسة في واشنطن وبروكسل.