أثار التدخل الإسرائيلي المباشر بالأحداث الدموية التي تعصف بمحافظة السويداء السورية منذ الأسبوع الماضي تساؤلات حول مصير المحادثات المباشرة وغير المباشرة القائمة بين تل أبيب ودمشق منذ أشهر، والتي ركّزت على محاولة التوصل إلى اتفاق حول ترتيبات أمنية بين البلدين قد تمهد الطريق لاتفاق سلام شامل تنضمّ سوريا من خلاله إلى نادي دول "اتفاقات أبراهام".
حدّدت تل أبيب أهدافها في سوريا بشكل صريح، بحيث ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده تسعى إلى أمرَين: "أوّلًا، نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوب دمشق، من الجولان حتى منطقة جبل الدروز، وثانيًا، حماية إخوة إخوتنا، الدروز في جبل الدروز". بناء على ذلك، اعتبرت إسرائيل أن أحداث السويداء تشكل تجاوزًا خطرًا من دمشق للخطَين الأحمرَين اللذين رسمتهما، ما أدّى إلى ضربات إسرائيلية عنيفة طال البعض منها وزارة الدفاع في العاصمة السورية.
جاءت أحداث السويداء لتناقض الأجواء الإيجابية التي خلقها الضخ الإعلامي الكبير حول اتفاق سلام أو تطبيع وشيك بين إسرائيل وسوريا، لكن في الواقع، وبغض النظر عن أحداث السويداء، تنظر تل أبيب منذ سقوط نظام بشار الأسد، إلى دمشق، بريبة وحذر لعدة أسباب واعتبارات، فصحيح أن تولّي أحمد الشرع السلطة في دمشق شكّل فرصة لواشنطن وتل أبيب لاستثمار خروج سوريا من النفوذ الإيراني ومحاولة إرساء واقع جديد في الشرق الأوسط يعزز وضعية أميركا وحلفائها في المنطقة، خصوصًا عبر توسيع دائرة السلام بين إسرائيل وجيرانها، إلّا أن التاريخ الجهادي للشرع والمقرّبين منه، فضلًا عن ضمّ فصائل إسلامية متطرّفة إلى القوات النظامية السورية، شكّلا مصدر قلق عميق لإسرائيل، التي أصبحت قابليّتها على التعايش مع وجود تنظيمات عسكرية معادية لها على حدودها، معدومة بعد 7 أكتوبر.
انطلاقًا من ذلك، ضربت إسرائيل معظم قدرات الجيش السوري بعيد سقوط الأسد، بينما خلقت منطقة عازلة في المنطقة الحدودية من خلال توغل برّي يتوسّع نطاقه باستمرار حتى اليوم، رغم التصريحات السورية الرسمية المطمئنة لتل أبيب. في هذا الإطار، كان معبّرًا تأكيد نتنياهو الأسبوع الماضي أنه لن يسمح بنشوء "لبنان ثان" في سوريا، في إشارة إلى الخطأ الذي تعتبر إسرائيل أنها ارتكبته بسماحها لـ "حزب الله" على مدى سنوات ببناء ترسانة عسكرية ضخمة على حدودها.
بالتوازي، تسبّبت "البوغرومات" الوحشية، التي ارتكبتها قوات دمشق بحق العلويين في الساحل في آذار الماضي وبحق الدروز في السويداء الأسبوع الماضي، بتعميق الهوّة بين تل أبيب ودمشق، إذ فضلًا عن المصلحة الإسرائيلية الداخلية في حماية دروز سوريا لإرضاء دروز إسرائيل، بيّنت تلك الأحداث أن الشرع، بأفضل الأحوال، غير قادر على ضبط كلّ الفصائل المنضوية تحت لواء وزارة الدفاع، ما يجعل تل أبيب أقلّ قابلية على الثقة في نية دمشق وقدرتها على تنفيذ أي اتفاق أمني قد تتوصل إليه معها.
أمّا بالنسبة إلى واشنطن، فترى أن السلام الإسرائيلي - السوري المحتمل مصلحة استراتيجية يجب تحقيقها، إلّا أنها في الوقت عينه تعي صعوبة تخطّي العقبات الكثيرة التي لا تزال تواجه العلاقة بين البلدين. وقد أوضح ذلك المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، الذي أشار إلى أن السلام بين إسرائيل وسوريا سيجري "مثل تقشير البصل"، أي ببطء وروية، موضحًا أنه فضلًا عن الاعتبارات الإسرائيلية، فإن هذا الموضوع حسّاس جدًا في الداخل السوري، بحيث قد تنفجر الفصائل المتطرّفة في وجه الشرع في حال تسرّع في التوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين، خصوصًا إذا حصل ذلك بناء على تنازلات سورية ضخمة، مثل التخلّي عن هضبة الجولان.
لذا، وبصرف النظر عن النتيجة النهائية التي ستؤول إليها أحداث السويداء، من المستبعد أن تحقق المحادثات الإسرائيلية - السورية انفراجة ضخمة في المدى القريب، خصوصًا في حال عدم تمكّن الشرع من السيطرة على الفصائل التي يرتكز عليها نظامه وتطهيرها من عناصرها الأكثر تطرّفًا. كما أن إصرار دمشق على فرض سلطتها على مناطق الدروز في جنوب سوريا عبر القوّة العسكرية من شأنه أن يشكّل صاعق تفجير لاحتمال نشوء علاقة مع تل أبيب.