جويل غسطين

في فيلم "كوبرا" لدانيال حبيب... "سيكوباتيّون" بين الانتقام والطّاعة العمياء وجنون العظمة

5 دقائق للقراءة

في ظلّ التّحدّيات التي تواجه صناعة السينما اللّبنانيّة، يطلّ الكاتب والمخرج دانيال حبيب بفيلمه الجديد "كوبرا"، الذي انطلقت عروضه في الصالات نهاية الأسبوع الماضي، مضيفًا لونًا خاصًّا إلى خارطة الإنتاجات المحليّة. الفيلم يجمع بين التّشويق والإثارة، ويقدّم حبكةً دراميّة تنبض بالحركة والغموض، بمشاركة مجموعة من الممثّلين اللّبنانيّين أبرزهم سعيد سرحان، جوي حلّاق، وسام صليبا، فؤاد يمّين، سيرينا الشّامي، وغيرهم.

في أوّل ظهورٍ سينمائيّ لها، أبهرت الممثّلة الشّابة جوي حلّاق الجمهور بِدورٍ استثنائيّ وغير مألوف، مجسّدةً شخصيّة "كوبرا" الفتاة الّتي اختارت القوّة بدل الضّعف، والانتقام بدل الصّفح، بعد مقتل أفراد عائلتها أمام عينَيها بطريقة وحشيّة على يد رجال "الرّيس عتمة".


"كوبرا" ليست مجرّد بطلة تسعى للثأر، بل هي شخصيّة مركّبة في داخلها رماد طفولة احترقت أمام ناظرَيها، فتحوّلت من فتاةٍ عاديّة إلى امرأةٍ لا تعرف الرحمة، تتغذّى على فكرة القصاص ولا ترى العالم إلّا من خلال عدسة الدّم والعدالة الذّاتيّة. نظراتها التي تشي بالبراءة والسّذاجة تارةً – كما في مشهدها مع ماريو باسيل - والقسوة تارةً أخرى، إلى نبرة صوتها التي تجرّدت من الانفعال، إلى خطواتها الواثقة والمدروسة، تُعيد تشكيل مفهوم "البطلة" التّقليديّة. فتُمسك "كوبرا" خنجر الجراح ولا تطلب الرّحمة، بل تمارس القصاص.


نفسيًّا يمكن تأطير شخصيّة "كوبرا" ضمن حالة "اضطراب ما بعد الصّدمة"، لكونها تذكر في أكثر من محطّة خلال الفيلم ما حصل مع عائلتها، من دون إبراز أيّ ردّة فعل تدلّ على حجم الفاجعة. أمّا فلسفيًّا، فهي تجسيد حيّ لِما يحدث حين يُختزل العدل في الانتقام، وحين تتحوّل الضّحيّة إلى معاقِبَة كي تستعيد ذاتها، بحثًا عن توازن مفقود تُحقّقه بِلغة العنف.


"كلب" خاضع ومتعطّش للدّماء

يطلّ الممثل سعيد سرحان من جهته، بشخصيّة تحمل ما يكفي من التّناقض لإثارة الدّهشة والتفكّر، مجسِّدًا دور "الكلب"، القاتل المأجور لدى عائلة "الرّيس عتمة"، والذي يتحوّل من صورة رجل عادي إلى آلة موت باردة، لا ترتبك حين تتلطّخ يداها بدماء البشر.

في المشهد الأوّل من الفيلم، بعد دخوله منزل أسرة مؤلَّفة من أب مقامر وأمّ وابنتهما، يبدو "الكلب" رجلًا جذّابًا، أنيقًا، مهذّبًا، يتحدّث بنبرة هادئة وعينَين تلمعان بثقةٍ ناعمة. قد تظنّه شاعرًا أو طبيبًا أو فارس أحلامٍ هبط من رواية، لكنّ هذا القناع لا يلبث أن يسقط، حين يُخرج أدواته الحادّة ويبدأ طقوس القتل الباردة بهدوء لا يُناسب فظاعة ما يرتكبه، وبدقّة جرّاحٍ لا يرتبك أمام الألم.


الغريب، وربّما الأكثر استفزازًا، أنّه نباتيّ يرفض أكل اللّحوم الحيوانيّة، ولا يتحمّل فكرة إيذاء الحيوانات، كما يظهر في أحد المشاهد مشمئزًّا من آكل لحومٍ بَقَريّة. لكنّ "الكلب"، في المقابل، لا يرمش حين يقطع شريان إنسان، أو يسحب آخر نحو الموت من دون شفقة. هذه المفارقة الأخلاقيّة تسلّط الضوء على اضطراب داخلي عميق، فهو لا يُميّز بين "القسوة" و "الواجب"، بل يدمجهما في منطق قاتل. قد يكون ضحيّة نشأة عنيفة، ربّما لأنّ والده كان أيضًا قاتلًا مأجورًا، فهو يرى القتل كَحِرفة، لا كَفِعل مدمّر. ولعلّ تهذيبه الظاهري ليس سوى قناع اجتماعي يخفي وراءه قبحًا متأصّلًا، كي يبقى مقبولًا في دائرة من يستخدمونه كأداة قتل.


فلسفيًّا، تسميته بـ "الكلب" ليست تفصيلًا عبثيًّا، بل خيارًا محمّلًا بدلالات: الطّاعة، الوفاء، التّبعيّة، والوحشيّة في آن. الكلب في الخيال الشعبي، رمز للوفاء، لكنّه هنا رمز للطّاعة العمياء حتى وإن كانت الأوامر دمويّة. وهكذا يصبح "الكلب" في الفيلم، رمزًا للمنفّذ الصامت، الّذي يطيع سيّده ولو كلّفه ذلك سلب حياة الآخرين.


الجدير بالذّكر أنّ شخصية "الكلب"، التي بُنيت منذ البداية على الصّلابة والطّاعة المطلقة، تشهد تحوّلًا جذريًّا ومفاجئًا في منتصف الفيلم، حين يلتقي "كوبرا"، الفتاة التي كُلّف بالقضاء عليها، والتي كانت شاهدة على المجزرة التي ارتكبها والده بحقّ أسرتها. وفي لحظة المواجهة، لا تعود "كوبرا" هدفًا ينبغي التّخلص منه، بل تصبح مرآة مقلقة لذاته الممزّقة: هو ابن القاتل وهي ابنة الضّحية.

في قراره المفاجئ بقتل "الرّيس عتمة" وابنه ديب، لا يبحث "الكلب" عن الخلاص لـ "كوبرا" وحدها، بل عن خلاص شخصي. طعنه سيّده هو في الواقع طعنة لصورة الأب القاتل، ولذاته المجرّدة من الإنسانيّة. أما تغيّر "الكلب" في النهاية، فيدلّ على أنّ الإنسان مهما غاص في الوحشيّة، يحمل دومًا في داخله بذرةً تردّه إلى إنسانيّته، حين يُفتح له الباب.


الغرور حين يتحوّل جنونًا قاتلًا

يؤدّي الممثل وسام صليبا في فيلم "كوبرا" شخصيّة "ديب عتمة"، ممثّلًا نموذجًا صادمًا للإنسان عندما يستسلم لجنون العظمة واحتقار الرّوابط العائليّة.

هو ابن "الرّيس عتمة"، لكنّه لا يشبهه في الحنكة والذّكاء في تنفيذ جرائمه، ولا يلتقي مع شقيقَيه "نمر" و "زهراء" في أيّ بُعدٍ وجداني، بل يرى نفسه فوق الجميع ويختار طريق التّفوّق عبر القسوة والازدراء.


في أحد المشاهد القاسية، يقتل "ديب" أحدهم، فقط لأنّه أدار له ظهره. مشهد يلخّص عبوديّته لـ"أناه" المتضخّمة. كما أنّه لا يُظهر أيّ أثر للحزن بعد مقتل شقيقَيه، بل يعتبر غيابهما فرصة ليثبت أنّه الأقوى.


فلسفيًّا، "ديب" صورة معكوسة للإنسان الأعلى. لا يبني نفسه من خلال الإرادة أو التّحرّر، بل عبر تدمير القيم والمشاعر. شخصيّة مرعبة بِقَدر ما هي كاشفة: هكذا يبدو الإنسان حين يختنق بِوهم القوّة ويُدمّر كلّ من حوله بحثًا عن مجدٍ فارغ.




الممثل سعيد سرحان