إستال خليل

كوميديا عاطفية في زمن الميلاد

"شو كارلوس أحسن مني؟": روح العيد وهشاشة "الأنا"

7 دقائق للقراءة

حكاية عاطفيّة بطابع كوميدي تدور أحداثها خلال فترة عيدي الميلاد ورأس السنة، هكذا يمكن اختصار مسرحيّة "شو كارلوس أحسن مني؟" التي تُعرض خلال هذا الشهر على خشبة "مسرح المونو" في الأشرفيّة. النص كتبه وليد اليازجي منتِج العمل الذي أخرجته لينا أبيض، ويؤدّي الأدوار الفنانون وسام صليبا، وجينيفر يمّين، وعبد الرحيم العوجي المُشارك مع جوزيان بولس في اقتباس المسرحيّة وكتابة حوارها.

يعزو الكاتب وليد اليازجي فكرة المسرحية إلى أكثر من عامل، "أوّلها عيد الميلاد المجيد، عيد المحبة والفرح، في زمن يحتاج فيه المرء للضحك والشعور بالبهجة في خضم الصعوبات التي عاشتها وتعيشها البلاد. ثاني العوامل، ما يحصل في المجتمع اللبناني ونظرته إلى المرأة، خصوصًا الأجنبية، وأيضًا لقناعة مشتركة بيني وبين مديرة "مسرح المونو" جوزيان بولس والمخرجة لينا أبيض بأن المرأة جزء فاعل في المجتمع اللبناني وليست كائنًا ضعيفًا، بل عنصر قوّة يساهم في تحصين هذا المجتمع"، على ما قال اليازجي لـ "نداء الوطن".  

فكرة المسرحيّة ونصّها وإنتاجها، لليازجي الذي استعان ببولس التي يعرفها منذ زمن طويل، فعرضت عليه التعاون مع المخرجة لينا أبيض. ويلفت اليازجي إلى أن بولس، ومعها الممثل عبد الرحيم العوجي، عملا لاحقًا على تطوير الحوارات النهائية للنص المسرحيّ، فيما وضعت أبيض لمساتها الإخراجيّة المميزة.


هشاشة "الأنا"

عن حبكة العمل، يقول الكاتب إنه انطلق من فكرة هشاشة "الأنا" لدى الرجل في علاقاته العاطفية، معتبرًا أن "الرجل أحيانًا في مجتمعاتنا الشرقية، حين يترك فتاة ارتبط بها يجاهر بالأمر، أما حين تتركه المرأة فتتحوّل المسألة إلى مصيبة بالنسبة إليه، لأن شيئًا من كبريائه ينهار. من هنا، خرجت شخصية "رجا" الذي يؤدي دوره الفنان وسام صليبا".

"رجا" شاب تركته حبيبته، يدخل في رهان مع صديقه "جوني" (في دوره الممثل عبد الرحيم العوجي) أن لا امرأة ستدخل إلى حياته حتى نهاية السنة. يبدو الشرط سخيفًا في البداية، ومن السهل الالتزام به، حتى تظهر في حياة "رجا" امرأة تدعى "نيكيتا" تقلب حياته رأسًا على عقب. أما عن شخصية "كارلوس" التي تحمل المسرحية اسمه، فيقول اليازجي إن "كارلوس ليس شخصية حاضرة على الخشبة، بل هي فكرة سيكتشفها الجمهور تدريجيًا خلال مشاهدة العرض".


كوميديا الوجع

بالانتقال إلى الفنان وسام صليبا، يشير الممثل والمغني الشاب في حديث لـ "نداء الوطن"، إلى أن "أكثر ما دفعني للمشاركة في هذه المسرحيّة هو أن النصّ يدور في أجواء عيد الميلاد، إذ شعرت منذ البداية أن العمل قريب من روحيّة هذا الموسم، فضلًا عن سعادتي بالتعاون مع المخرجة لينا أبيض، والاجتماع بفريق عمل أحببته".

ويعبّر صليبا عن اشتياقه إلى المسرح بعد ثلاث سنوات على آخر عمل قدّمه (آخر سيجارة)، "لذلك شعرت أن الوقت حان للعودة إلى الخشبة، فالممثل حين يريد العودة إلى التمثيل، يكون المسرح هو المكان الطبيعي لتلك العودة".

نسأل وسام صليبا عن الشخصيّة التي يجسّدها في العرض المسرحيّ، فيوضح أن "رجا يشبهني في نقاط ويختلف عني في أخرى، لكن التحدّي الأكبر في كيفيّة الجمع بين ما حمله من دراما في حياته، وبين وضع ذلك كلّه في إطار كوميدي". ويقول: "أحبّ هذا النوع من الكوميديا التي تنطلق من وجع حقيقي وتُقدَّم بخفة، بحيث يخرج المُشاهد وهو يضحك من قلبه من دون أن يشعر بأن الألم جرى تهميشه". ويلفت إلى أن الممثل "مطالَب دائمًا بأن يجد التوازن بين الجديّة والقدرة على انتزاع ضحكة صادقة من الجمهور".

عن حبكة المسرحيّة كما يراها صليبا من موقعه كمؤدّ للشخصية الرئيسية، يقول: "العرض يروي حكاية رجل عاش حادثة قاسية في ليلة الميلاد قبل عام، ولم يتخطاها، إلى أن تدخل صديقه الأقرب، المعروف بروحه المرحة، محاولًا إخراجه من حالته". ويتابع: "دخول شخصية ثالثة، أي التي تؤدّيها جينيفر يمين، قلَبَ المعادلة وخلق سلسلة من المفاجآت وسوء الفهم والمواقف المضحكة، في أجواء عيدي الميلاد ورأس السنة".

ويؤكّد صليبا أن "العلاقة بين جميع القيّمين على هذا العمل، قامت على احترام مهني كبير، ما سمح بمساحة من الارتجال المسؤول. كما أن العمل على النصّ استمر خلال فترة البروفات، إذ أضفنا وحذفنا بعض الجُمل والمَشاهد بحسب شعورنا بالشخصيات وبإيقاع الضحك، وكانت المخرجة لينا أبيض تشجّع هذا الجوّ وتدفعنا إلى استيلاد لحظات حيّة في كل مرّة".


خصوصيّة الخشبة

يحدّثنا الفنان وسام صليبا عن خصوصية الوقوف على خشبة المسرح مقارنة بالتجربة التلفزيونية والسينمائية، فيقول إن "المسرح يتميّز بالتفاعل المباشر مع الجمهور، فيرتفع منسوب الحماسة على الخشبة مع كل ضحكة أو تصفيق من الجمهور، وذلك يرافق الممثل حتى بعد انتهاء العرض". ويشير إلى أن هذه المسرحية أخذت كلّ وقته في الفترة الأخيرة، وفتحت أمامه "شهيّة أكبر على تقديم أعمال مسرحية جديدة مستقبلًا"، موضحًا أن المسرح علّمه "الكثير من الصبر، لأنه عملٌ متغيّر باستمرار، يتطوّر من تمرين إلى آخر ومن ليلة إلى أخرى، ولا تُتاح للممثل أمام الجمهور سوى فرصة واحدة ليقدّم مَشاهده كما ينبغي".

صليبا تعلّم "أن يرسم لنفسه خطّة واضحة للشخصية، ثم يترك هامشًا للحياة كي تدخل إلى العرض، فيهدّئ أعصابه ويستمتع بما اختاره لنفسه من مهنة"، مشيرًا إلى أن المسرح علّمه أيضًا "الثقة بالنفس والتواضع في آن واحد، لأن الممثل المسرحيّ لا يعمل وحده، بل هو جزء من ماكينة كبيرة لكلّ فرد فيها دور أساسي في إنجاح العمل".


المسرح مَنفذ إلى الواقع

في مجال آخر، نعود إلى الكاتب وليد اليازجي لنسأله عن واقع المسرح في لبنان، فيجيب أنه "في حال جيدة رغم الأزمات"، مؤكدًا أن "الإقبال الكبير على العروض يدلّ على ذلك، لأن الناس، خصوصًا في هذه الفترة من السنة، يبحثون عن فسحة فنية أو ثقافية يجتمعون فيها كعائلات وأصدقاء".

لا يرى اليازجي أنّ وسائل المشاهدة الحديثة أو وسائل التواصل الاجتماعي قضت على المسرح، بل يعتبر أنها "جعلت الناس يمضون وقتًا طويلًا أمام الشاشات، لتدفعهم في مرحلة لاحقة إلى البحث عن الحياة الحقيقية خارج العالم الافتراضي، فيجد كثيرون منهم في المسرح واحدًا من هذه المنافذ".

في المقابل، يتوقف اليازجي عند التحدّيات، مشدّدًا على أن "التحدّي الأمني حاضر بقوة، ففي بلدان كثيرة يحجز الناس تذاكر المسرح قبل أشهر، أما في لبنان فالجمهور يحجز قبل يوم أو يومَين فقط، لأن رؤيته قصيرة المدى بسبب القلق من أيّ تطوّر قد يحدث في أي لحظة". بالنسبة إليه "التحدي الأكبر اقتصاديّ، سواء بالنسبة إلى الجمهور الذي يعيش ظروفًا صعبة، أو بالنسبة إلى المسرحيين والممثلين"، داعيًا الدولة ووزارة الثقافة إلى دعم المسرح، إذ إن "المسارح في الغالب تسير بمبادرات خاصة من أفراد ومؤسسات، في حين أنها تحتاج إلى دعم مادي حقيقي يساعدها في الترميم والتجهيز بالإضاءة والصوت وسائر المستلزمات الضرورية".

ويؤكّد اليازجي أن قيمة أيّ مجتمع ليست "بحجم أمواله أو موارده الطبيعية، بل بقيَمه الأخلاقية والثقافية والاجتماعية، لذلك اهتمت الدول المتطورة بالفنون، من مسرح وموسيقى ورسم وكتابة، لأنها عنوان انفتاحها على نفسها وعلى العالم". معتبرًا أن "مسؤولية دعم هذه الفنون مشتركة بين الدولة ووزارة الثقافة ووسائل الإعلام، لضمان وصول الكلمة والصورة إلى الناس". ويختم الكاتب وليد اليازجي كلامه بالإشارة إلى أن "المسرح يتطلّب منا جهودًا نفسية وجسدية استثنائية، كوننا نقدم أعمالًا تستطيع الاستمرار لسنوات طويلة، وتفاؤلنا كبير بمستقبل المسرح".


* "شو كارلوس أحسن مني؟" على "مسرح المونو" حتى 30 كانون الأول الجاري، باستثناء أيام الاثنين ويومَي عيدي الميلاد ورأس السنة.