دخلت أمس أوّل قافلة مساعدات إنسانية من الهلال الأحمر السوري إلى مدينة السويداء، بعد أسبوع على اندلاع الاشتباكات الدامية بين الدروز وعشائر البدو، والتي تخلّلها في مرحلة أولى تدخل قوات دمشق ثمّ عشائر من عدة محافظات إلى جانب بدو السويداء. وشهدت المحافظة المنكوبة أمس، خصوصًا ريفها الشمالي والغربي، خروقات متفرّقة لوقف النار، فيما ساد هدوء حذر المحافظة بشكل عام ومدينة السويداء التي تسيطر عليها الفصائل الدرزية. وطالبت الرئاسة الروحية للدروز في سوريا بـ "الوقف الفوري لكافة الهجمات العسكرية، وسحب كافة القوات التابعة لحكومة دمشق من جيش وأجهزة أمنية وميليشيات من محيط الجبل وكافة بلداته وقراه، وتوفير خدمات الإنترنت والاتصالات بشكل عاجل لضمان تواصل الأهالي للتمهيد للتبادل والإفراج الفوري عن الموقوفين وضمان نجاح العملية بضمانة الدول الراعية للاتفاق".
في السياق، جزم الرئيس الروحي لدروز إسرائيل موفق طريف بأنه "نقف وندعم أهلنا وإخواننا في السويداء بكل غال ونفيس على كافة الأصعدة"، مشيرًا إلى أنه "تستمرّ جهودنا أمام الجهات الإقليمية والدولية ذات التأثير لتثبيت وقف النار وتحرير المخطوفين وفك الحصار والتوصل إلى اتفاق سياسي يضمن حقوق أبناء الجبل". ووجّه نداء للرئيس الأميركي دونالد ترامب طالبه فيه بحماية دروز سوريا. واعتبر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن "الأحداث في سوريا، المجزرة بحق دروز السويداء، تثبت مرّة أخرى أن الذي لا يمكنه الدفاع عن نفسه في الشرق الأوسط لن يتمكّن من العيش بأمان، المنظمات الإرهابية والعناصر الجهادية تشكل خطرًا في كل الساحات والجبهات، فيجب محاربتها كما نفعل في غزة".
في الغضون، أفاد "المرصد السوري" بفشل عملية التبادل التي كان من المقرّر تنفيذها مساء أمس في بلدة أم الزيتونة في ريف السويداء الشمالي عقب سقوط قذائف هاون قرب موقع التبادل أُطلقت من مواقع مسلّحي العشائر المتمركزين شمال محافظة السويداء، بينما أكدت وكالة "سانا" أنه "لم تجر أي عملية تبادل للمحتجزين بين عشائر البدو والمجموعات المسلحة في السويداء والمفاوضات لا تزال جارية"، مشيرة إلى "انتشار قوى الأمن الداخلي على مشارف محافظة السويداء لضمان تنفيذ وقف النار، وحماية الأهالي".
وأشار "المرصد" إلى تصاعد الاتهامات الموجّهة للأجهزة الأمنية بتسهيل دخول مقاتلي العشائر إلى بلدة عريقة في ريف السويداء الغربي، ومناطق أخرى واقعة على أوتوستراد دمشق - السويداء، في خرق صريح لاتفاق التهدئة الأخير الذي ينصّ على خروج المقاتلين من كامل الحدود الإدارية لمحافظة السويداء. ولكن تمكّن المقاتلون الدروز من إحكام السيطرة على بلدة عريقة، فيما كانت الاشتباكات مع المسلّحين لا تزال تدور في محيطها، كما سيطر مسلّحو العشائر على قرية ريمة حازم بالكامل. ورُصِد تحليق للطيران الحربي الإسرائيلي فوق عريقة، وبلدة نوى في ريف درعا الشمالي الغربي، بالإضافة إلى أجواء خان أرنبة في ريف القنيطرة، بالتزامن مع إلقاء بالونات حرارية في سماء محافظة السويداء.
وارتفعت حصيلة الضحايا نتيجة الاشتباكات وعمليات الإعدام الميداني والقصف الإسرائيلي، إلى 1120 قتيلًا، وفق "المرصد". بالتوازي، اتهم وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى خلال مقابلة مع قناة "سكاي نيوز عربية"، مجموعات "تابعة للهجري" في السويداء، بخرق اتفاق وقف النار، معتبرًا أن "الهجري يصرّ على الدعم الإسرائيلي لتعزيز قوته في السويداء". وجزم بأنه "لا بديل عن بلد واحد وحكومة واحدة وجيش واحد"، موضحًا أن "وحدة سوريا الجغرافية لا تقبل النقاش أو التفاوض".
إنسانيًا، ادّعت دمشق أن "الميليشيات المسلّحة الخارجة عن القانون والتابعة لحكمت الهجري" منعت دخول قافلة مساعدات إنسانية كانت برفقة وفد حكومي من ثلاثة وزراء ومحافظ إلى السويداء، مشيرة إلى أن "الميليشيات المسلّحة الخارجة عن القانون سمحت فقط لعدد محدود من سيارات منظمة الهلال الأحمر العربي السوري بالعبور"، لكن الرئاسة الروحية لدروز سوريا أكدت أنها "ترحّب بكافة المساعدات الإنسانية الواردة إلى محافظة السويداء المنكوبة، عبر المنظمات والجهات الدولية التي تمدّ يد العون لأهلنا في هذه المحنة الصعبة". وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن إسرائيل أرسلت مساعدات طبية عاجلة إلى الدروز في السويداء بالتنسيق مع كلّ من واشنطن ودمشق.
أميركيًا، شدّد وزير الخارجية ماركو روبيو على أنه "إذا كانت السلطات في دمشق حريصة على الحفاظ على أي فرصة لتحقيق سوريا موحدة، شاملة وسلمية وخالية من تنظيم "داعش" ومن النفوذ الإيراني، فعليها أن تسهم في إنهاء هذه الكارثة من خلال استخدام قواتها الأمنية لمنع دخول عناصر "داعش" وأي جهاديين عنيفين آخرين إلى جنوب سوريا وارتكاب مجازر، كما يجب عليها محاسبة وتقديم أي شخص ارتكب فظائع إلى العدالة، بمن فيهم أولئك المنتمون إلى صفوفها". من جهته، اعتبر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك أن "الأعمال الوحشية التي ترتكبها الفصائل المتحاربة على الأرض تقوّض سلطة الحكومة وتُعطّل أي مظهر من مظاهر النظام".
على صعيد آخر، تسلّم الرئيس السوري أحمد الشرع التقرير النهائي للجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث آذار الماضي في الساحل السوري بعد انتهاء عملها. وأوضحت الرئاسة السورية أنها ستفحص النتائج الواردة في التقرير بدقة وعناية تامتين، لضمان اتخاذ خطوات من شأنها الدفع بمبادئ الحقيقة والعدالة والمساءلة، ومنع تكرار الانتهاكات في هذه الوقائع وفي مسار بناء سوريا الجديدة، مشيرة إلى أنها طلبت من اللجنة الوطنية، إذا رأت ذلك مناسبًا، عقد مؤتمر صحافي لعرض أعمالها ونتائجها الرئيسة في أقرب وقت عملي ممكن.