شربل صيّاح

لبنان… سلامٌ على حافة الخوف

4 دقائق للقراءة

ليس من المبالغة القول إن لبنان هو واحد من أكثر الكيانات الجيوسياسية تعقيدًا في العالم المعاصر. فالدولة اللبنانية، بحدودها المعترف بها دوليًا، قد وُلدت من تقاطع مصالح إقليمية ودولية، أكثر مما وُلدت من نضج داخلي متكامل. لكن ما يجعل التجربة اللبنانية حالة خاصة لا تُقاس على غيرها، هو أن لبنان لم يتكوّن كـ”دولة طبيعية”، بل تأسس – منذ لحظته الأولى – كـ”فكرة لجوء”.


والمقصود هنا ليس اللجوء السياسي أو القانوني بمفهومه التقليدي، بل لجوء وجودي. أي أن الإنسان، عندما وطئت قدماه هذه الأرض – أيًّا كانت طائفته أو خلفيته – لم يأتِ باعتباره حاملًا لمشروع وطن، بل باحثًا عن ملاذ. عن مساحة حرية تُمنح كامتياز، وتُحمى كقيمة وجودية.


تركيبة الخوف الوجودي

منذ نشأته، قام المجتمع اللبناني على معادلة دقيقة من الخوف المتبادل، والتوازن بين الهويات الطائفية والثقافية، وليس على مفهوم العقد الاجتماعي المدني الجامع. وهذا الخوف البنيوي – الذي لا يزال حتى اللحظة يتحكم في تموضعات القوى السياسية والطائفية – هو ما يمنع ولادة دولة حديثة مكتملة الشروط.


فالطبيعة التكوينية للبنان لا تسمح بقياسه على نماذج دول ما بعد الحرب، لا في المنطقة ولا خارجها. فبينما تتبنى الدول الحديثة مقاربات متجانسة لبناء مؤسساتها، يقوم لبنان على توازن هشّ بين منطق الدولة ومنطق الجماعة، بين المواطن والفئة، بين القانون والعرف، وبين الولاء الوطني والانتماء الفئوي.


الإزدواجيّة "الدّستورية - المؤسساتية"


في عمق الإشكال اللبناني، تكمن مفارقة لا يمكن تجاهلها: فبينما يقوم الإطار الدستوري اللبناني على قواعد مستمدة من المدرسة الفرنسية – أي من منظومة القانون المدني (Civil Law) التي تفترض مركزية صارمة وعملًا مؤسساتيًا متسلسلًا ومنظّمًا – نجد أن الواقع المجتمعي اللبناني يسير في اتجاه مختلف تمامًا. إنه واقع قائم على التعدد الطائفي، والحساسيات التاريخية، والتوازنات الدقيقة بين الجماعات، وهو ما يتطلب مقاربة أكثر مرونة وتدرجًا.


هذه الازدواجية بين نص قانوني جامد وواقع اجتماعي متحرك، جعلت البنية السياسية اللبنانية بنية هجينة: لا هي دولة مركزية حديثة بالمعنى المؤسساتي الكامل، ولا هي نظامًا توافقيًا صريحًا يحكمه عقد واضح بين مكوناته. بل إن لبنان – عن قصد أو عن اضطرار – يعيش منذ تأسيسه ضمن نوع من “الديمقراطية التوافقية اللاّممأسسة”، أي من دون أدواتها المؤسسية، ولا الاعتراف الصريح بها.


ورغم أن هذا التوافق جاء كضرورة لحماية التعددية، إلا أن غياب التأطير الدستوري له، جعله ينزلق نحو محاصصة دائمة، لا شراكة حقيقية.


فالخلل في لبنان لا يكمن فقط في المواد القانونية، بل في تناقض المنظومة القانونية المركزية مع الواقع التعددي المتشظي. والنتيجة كانت بنية هجينة لا هي دولة قانونية مركزية فاعلة، ولا هي صيغة توافقية مستقرة. بل كيان مُعلق بين نموذجين، يعجز كلٌّ منهما عن تحقيق الشرعية الكاملة.


نوايا الاسترداد وحدود الإمكان

اليوم، تلوح في الأفق إشارات على محاولة جادة لاستعادة الدولة. رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، أظهرا في أكثر من مناسبة نية واضحة لإعادة بناء ركائز الدولة وسيادتها. وقد تعزّز هذا التوجّه بعد زيارة توم باراك، المبعوث الأميركي الرسمي إلى الشرق الأوسط، التي شكّلت علامة فارقة في تظهير الإرادة الدولية بإعادة استنهاض المشروع اللبناني السيادي.


لكن هذه النية، على أهميتها، تصطدم بجدار سميك من التعقيدات الداخلية. فالنظام المركزي اللبناني، بقواعده التاريخية وميثاقه غير المكتوب، يفرض على أيّ إصلاح جذري المرور عبر بوابة الطوائف والتوازنات، لا عبر نصوص الدستور فقط. وكل محاولة لتجاوز هذه التوازنات، ولو بدافع الإصلاح، تُقرأ على أنها استهداف لطائفة ما أو محاولة إقصاء.


الحقيقة كما هي

العجب كل العجب، أن تكون الحقيقة واضحة إلى هذا الحد، ولكن لا يُقاربها المسؤولون. الحقيقة أن لبنان، بتركيبته الاجتماعية والتاريخية، لا يصلح أن يُدار إلا بصيغة فدرالية خاصة به، فدرالية لا تُستنسخ من الخارج، ولا تُفرض من فوق، بل تُبنى من داخل النسيج اللبناني نفسه. فدرالية مرنة، تُنظم التعدد، وتحترم الخصوصيات، وتُعيد توزيع السلطة بطريقة تضمن المشاركة لا الهيمنة، والتكامل لا التنافر.


ليست الفدرالية في الحالة اللبنانية ترفًا فكريًا، ولا مشروعًا تقسيميًا كما يُشيع البعض، بل هي الشكل السياسي الوحيد القادر على تحويل الخوف الوجودي إلى توازن مستدام، وعلى جعل الدولة إطارًا جامعًا لا ساحة صراع. إنها رؤية يجب أن تُقرأ بوضوح، وتُقارب بشجاعة، لأنها وحدها، ربما، تقدر أنّ تحوّل لبنان من:

pieces إلى masterpiece.