حين تُذكر التدخّلات الخارجيّة في عالمنا العربي، غالباً ما تُقابل بسيل من الإدانات والتخوين. غير أنّ هذه الظاهرة، التي توصف دائماً بأنّها اختراق للسيادة الوطنيّة، لها وجوه أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تنبع من جماعة شعرت بأنّ الدولة التي تنتمي إليها لم تعد تحميها ولا تمثّلها.
حين تفشل الدولة في أداء وظائفها التمثيليّة والحامية، يصبح الخارج خياراً تفرضه الضرورة لا الرغبة. الألبان في كوسوفو أيّدوا تدخّل الناتو بعدما تحوّلوا إلى هدف لحملة قمع شاملة قادها نظام ميلوسيفيتش، منعتهم حتّى من التعليم بلغّتهم.
في العراق، استُقبل التدخّل الأميركي عام 2003 من قبل شرائح شيعيّة باعتباره نهاية لعقود من التهميش تحت نظام صدّام حسين البعثي، فيما وفّرت إيران دعماً سياسيّاً وعسكريّاً لهذه الفئة التي وجدت نفسها فجأةً في قلب المعادلة الجديدة. أمّا أكراد العراق، فلو لا الدعم الأميركي والدولي بعد مجازر الأنفال، لما تمكّنوا من فرض منطقة آمنة شكّلت نواة حكمهم الذاتي لاحقاً.
بدوره، حظي جنوب السودان بدعم سياسي ودبلوماسي دولي واسع النطاق خلال الحرب الأهليّة، ما مهّد لاتّفاق نيفاشا ومن ثمّ الانفصال. وفي البحرين، أظهرت انتفاضة 2011 أنّ بعض فئات المعارضة الشيعيّة كانت مستعدّة للجوء إلى دعم خارجي بعدما واجهت قمعاً مركزيّاً.
أمّا في سوريا اليوم، فتعيش الطائفة الدرزيّة في الجنوب مرحلة دقيقة من علاقتها مع الدولة المركزيّة. بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، ومع تراجع سلطة الدولة في السويداء وتنامي الفوضى الأمنيّة فيها، بدأت أصوات درزيّة تتحدّث عن الحاجة لحماية خارجيّة. في هذا السياق، لم تتأخّر إسرائيل في التعبير عن دعمها، لا سيّما عبر شخصيّات درزيّة فاعلة داخل مؤسّساتها السياسيّة والعسكريّة. هذا الانخراط، الذي يشكّل خرقًا صريحاً للسيادة السوريّة، لا يمكن فهمه من دون التذكير بأنّ انسحاب الدولة من مسؤوليّاتها تجاه مكوّن أساسي من شعبها هو ما فتح الباب، مرّة أخرى، أمام التدخّل الخارجي.
كلّ هذه الأمثلة لا تبرّئ التدخّل الخارجي من حساباته ومصالحه، لكنّها تُظهر أنّ السبب الجوهري لا يكون دائماً في الخارج نفسه، بل في فراغ تركته الدولة المركزيّة في الداخل. فحين يشعر جزء من المجتمع بأنّه مستثنى من الحماية والقرار، يصبح الخارج ملاذًا ممكنًا - لا بل مشروعاً ؟ بما فيه من مخاطر.
هذه الوقائع تدعو إلى إعادة التفكير في نموذج الدولة المركزيّة الصلبة، التي قد تكون فعّالة في السياقات المتجانسة، لكنّها غالبًا ما تفشل في المجتمعات التعدّدية، حيث لا تكفي الشرعيّة القانونيّة، بل تُفترض شرعيّة تمثيليّة ورضى متبادل.