سمة اختصّ اللبناني بها. كلا، إنها ليست العبقرية ولا الإشعاع أو رسالة بثّ القيم الحضارية. ما وسمنا كلبنانيين عدم الاستقرار والنزاعات المتمادية بالأصالة حينًا، وبالوكالة أحيانًا. مأساتنا أننا جعلنا عيبًا فينا، ميزة نتشاوف بها. يصعب إحصاء تشديد سياسيينا ومثقفينا حول "دور لبنان الحضاري" و"رسالة لبنان" وكلّها تثبت صحة مثل شعبي "ما بيحكي بالخبز إلا الجوعان".
إلامَ تعود هذه الآفة التي لا خلاص للبنان إلّا باستئصالها؟ أسباب عدة أبرزها اثنان: فكر سياسي "دارويني" ساد فترة إنشاء دولة لبنان الكبير لا نزال نتمسّك به رغم أن القيم الحديثة طوته وتجاوزته. قيم عالمنا الحاضر تربط "الحق بالوجود" بـ "الوجود" وليس بـ "التفوّق" على أشكاله خاصة ذاك الذي يقوم على الخيال. عالمنا الحديث يقود خطاه، وإن انتهكه الجميع، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما أوجزته الفقرة الأولى من ديباجته: "...الاعتراف بالكرامة الأصيلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم الثابتة المتساوية، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم".
على أهميتهما، لا يكفي الالتزام بمبدأي "الوجود يبرر الوجود" و "حقوق الإنسان"، بل لا بدّ أيضًا من إضافة شرط ضروري ثالث. إنه "الاستقرار" إذ ثبت في العقود الثلاثة الأخيرة علاقة "الاستقرار" بـ "الازدهار الاقتصادي" خلافًا لأفكار سياسية تقليدية ربطت الازدهار بـ "المدى الحيوي" وأحجام الدول. حسبنا مثال سنغافورة، الأولى في العالم بالدخل الفردي فيما دولة صغيرة بحجم لبنان تتسع لـ 12 سنغافورة.
تلك هي أسس وقيم، على من يجهد لإيجاد حلّ لمعضلة لبنان أن يأخذ بها ويبني عليها.
لكن كل هذا لا يكفي. علينا أيضًا أن نأخذ في الحسبان ديناميكية الشرق الأوسط التي أثبت تاريخها أن، بغياب حلول بنيوية، لا بدّ من سلطة قمعية تضبط بالحديد والنار مجموعات متنافرة لا تفوّت فرصة لتصفية حساباتها التاريخية. حسبنا تجربة سوريا التي استقلّت منذ مئة عام، أقل من خمسة منها حكمت من قبل نظام متعثِر شبه ديمقراطي، فيما تحكم على سائر سنيها أنظمة قمعية، ذروة الانتهاكات فيها كانت الـ 54 سنة من فظائع حكم حافظ الأسد وابنه.
رغم التطوّرات الأخيرة الواعدة، عنصر الوقت لا يخدم مصالحنا. لا إنجازات للعهد الجديد خارج التقاط الفرص الإقليمية والدولية لاستعادة سيادة لبنان على كامل أراضيه. هنا بالتحديد نواجه ببنية داخلية ستنتهي حتمًا إلى تفويت فرصة تاريخية لإعادة إحياء لبنان.
لا يمكن لموضوع يتطلّب مجلّدات أن يختصر بمقال صحافي مضبوط الحجم. لكن وضع أطر عامة له يضيء سبل الحلول. أزمة لبنان، واليوم سوريا كما معظم الدول العربية، تعود إلى خلل بنيوي صاحب قيامها. تولت تقرير مصير الشعوب بعد الحرب العالمية الأولى الدول المنتصرة حيث جهدت في نشر قيمها الثقافية ونماذجها الدستورية على الشعوب التي احتلّتها. باستثناء الولايات المتحدة ذات النظام الفدرالي التي انزوت بعد الرئيس ولسن في إطارها الجغرافي، جميع الدول التي رسمت مستقبل العالم كانت دولًا مركزية، فرنسا خاصة ذات التراث اليعقوبي والدولة الموحدة. لكن فرنسا، وهذا ذو دلالة، تردّدت في توسيع حدود لبنان كما ألحّ المسيحيون، وفي حال سوريا، جعلت منها أربع دول تعكس واقعًا أثبتت التطوّرات الحالية صحته.
منذ ستينات القرن الماضي ولبنان ساحة اقتتال وتصفية حسابات الشرق الأوسط البقعة الأكثر اضطرابًا في العالم. سببها، طبعًا، يعود إلى جشع موارنة لبنان خاصة ومسيحييه عامة، عندما، خلافًا لنصائح من أراد بهم خيرًا، طلبوا توسيع "جبل لبنان متصرفلغي" الاسم التركي للكيان اللبناني من 1861 حتى 1914، والذي كان يسلك طريقًا سبقته إليه ولايات عثمانية في البلقان جعل منها دولًا مستقلة في ما بعد. كان ذاك بتوسيع حدود المتصرفية بضم، رغم إرادة أغلبية سكانها، مساحات تفوق المتصرفية حجمًا. ثمة ما هو أسوأ. سكان هذه المناطق هم امتدادات لشعوب الشرق الأوسط من إيران حتى شمال أفريقيا الذين أصبحوا بأغلبيتهم بعد حرب فلسطين دولًا ذات أنظمة عسكرية سلطوية بلغت ذروتها بالثورة الإيرانية، كلّها امتدادات داخل لبنان تحمي مصالح دول الخارج.
قراءة استرجاعية لسوريا تؤدي إلى نتائج مماثلة. على الرغم من أيديولوجية الدولة المركزية التي تدين فرنسا بها، قسّم الفرنسيون المساحة السورية إلى أربع دول مثلت خصائص كل شعب منها، دولة علوية، دولة درزية، دولة في دمشق ورابعة في حلب. لكن الجرف الوحدوي العربي قوّض هذا الفرز وألزم الجميع بالانتماء إلى دولة حتى بالاسم، هجينة.
يبقى السؤال. ماذا ننتظر لتصحيح أخطاء تاريخية أدّت إلى انتهاكات متمادية لحقوق الإنسان ومآسٍ ومذابح بسبب أوهام وأساطير كانت في أسس كيانات سياسية مصطنعة انتهت أدوات قمع وإبادات واستئصالًا وتهجيرًا وهجرة؟