يرمي بعض المتصيدين في المشهد السياسي اللبناني والعربي المسيحيين اللبنانيين بسهام اتهامات باطلة، واصفين إياهم بـ "عملاء إسرائيل" وطاعنين في وطنيتهم. يتجاهل هؤلاء، عن قصد او عن جهل، حقيقة أن اضطرار المسيحيين لأخذ السلاح من إسرائيل في فترة معينة كان بسبب ظروف قاهرة تمثلت في التهديد بالموت والترحيل، في مواجهة مشروع "طريق فلسطين تمر في جونيه" ومؤامرة الوطن البديل، التي بدأت في الأردن وتسببت بأيلول الاسود وانتهت في بيروت وكانت السبب المباشر لحرب السنتين.
ما يغفله هؤلاء أو يتناسونه هو أن مفكرين مسيحيين لبنانيين، بين ثلاثينيات وستينيات القرن الماضي، امتلكوا بصيرة ثاقبة مكنتهم من رؤية التحولات الجيوسياسية التي كانت القوى الكبرى ترسمها في فلسطين. لقد حذروا مبكرًا من أن المشروع الصهيوني، المدعوم من قوى قوية وفاعلة في الغرب، لا يهدد الفلسطينيين فحسب، بل يمس بشكل وجودي هوية الشرق، ويزعزع استقراره، ويشكل خطرًا دائمًا على الكيان اللبناني. هؤلاء المفكرون لم يكونوا أسرى لطوائفهم أو لعلاقاتهم بالغرب، بل حملوا همًا ثقافيًا وإنسانيًا نابعًا من فهمهم العميق لتركيبة المنطقة وتوازناتها، وتركوا لنا شهادات فكرية وكتابات سياسية لا تزال تؤكد صدقيتها حتى اليوم.
كان شارل مالك، المفكر والفيلسوف والدبلوماسي، من أبرز الأصوات المسيحية التي نادت باكرًا بخطورة المشروع الصهيوني. في تقرير رفعه إلى الأمم المتحدة بتاريخ 5 آب 1949، قال: "القضية الفلسطينية، ولا تزال، أخطر قضية عربية على الإطلاق، ومآلها بالتالي هو مآل العالم العربي بكامله... إنّ نكبة فلسطين ليست نكبة فلسطين وحدها، بل نكبة العرب جميعاً." وفي مناسبة أخرى، كتب مالك: "ما حصل في فلسطين هو اختبارٌ حضاريٌ للمنطقة، إن لم يُستوعب ستتمزق الهويات، ويُختصر العرب في إطار الفوضى والشعارات، بينما يتمدد المشروع الصهيوني بخطى واثقة." كما حذر مالك في مذكراته من أن: "اليهود لا يسعون فقط إلى السيطرة على أرض، بل إلى فرض نظامهم الثقافي والسياسي... وهم لا يعترفون إلا بالقوة."
من موقعه كمفكر اقتصادي ودستوري، كتب ميشال شيحا بالفرنسية في جريدة "لوجور" بتاريخ 5 كانون الأول 1947 عقب قرار تقسيم فلسطين: "ما جرى في فلسطين زلزال أخلاقي وسياسي… إن إقامة دولة يهودية في قلب هذه الأرض تعني فتح جرح لن يلتئم أبداً، وجعل المنطقة كلها رهينة التوترات." وفي وثيقة كتبها في العام نفسه، قال: "لبنان، بجغرافيته وهويته، لا يستطيع أن يعيش مع كيان عنصري مجاور قائم على الاستبعاد … فلسطين لن تُجزأ دون أن ينكسر شيءٌ في روحنا." وقد رأى شيحا أن الخطر الصهيوني لا يهدد فقط الفلسطينيين، بل فكرة العيش المشترك، وأكد أن هذا المشروع يمثل نقيضًا لفلسفة لبنان في التعدد والتسامح.
يُعد يوسف السودا من أبرز المفكرين القوميين المسيحيين الذين رفعوا الصوت مبكرًا دفاعًا عن فلسطين كقضية قومية، وليس فقط عربية أو دينية. في كتابه "القومية والحرية"، الصادر في بيروت سنة 1946، دعا إلى التصدي للمشروع الصهيوني بوصفه: "غدة سرطانية زرعها الاستعمار لتفتيت وحدة هذه الأمة… وما فلسطين سوى المقدمة لسلسلة من النكبات." وأكد في إحدى مقالاته في مجلة "الراية اللبنانية" سنة 1947، أن: "الذي لا يرى في فلسطين خطرًا على لبنان إنما يغفل أن الصهيونية تسعى إلى ابتلاع ما هو أبعد من حدودها المعلنة... هدفها إعادة تشكيل الشرق كله."
ظل ريمون إدّه، النائب المعارض ورئيس الكتلة الوطنية، صوتًا صارخًا ضد كل أشكال التواطؤ أو التطبيع مع إسرائيل. وقد قال في جلسة مجلس النواب في 6 كانون الأول 1969: "أنا أول من قال إن إسرائيل تُشكّل خطرًا على لبنان أكثر مما تُشكّل خطرًا على حمص وبغداد." وحذر إدّه مرارًا من محاولة الصهاينة التمدد شمالًا إلى مياه الليطاني، وقال بالفرنسية في حديث لجريدة "L’Orient" سنة 1972: "هناك خريطة إسرائيلية في الأدراج تُظهر جنوب لبنان كجزء من الدولة اليهودية… ولذا، فإننا إن لم نحسم الموقف اليوم سنُفاجأ بخطرٍ يقضمنا من الداخل."
كان حميد فرنجيه، وزير الخارجية الأسبق، من أوائل السياسيين اللبنانيين الذين نبهوا إلى الأطماع الإسرائيلية بمياه الليطاني. في خطابه الشهير عام 1946 أمام البرلمان، قال: "ليُعلم القاصي والداني: مياه الليطاني ليست للبيع، وليست محل تفاوض… إنّ أطماع الصهيونية لا تتوقف عند حدود فلسطين." وأكد في مناسبة أخرى: "التهاون مع المشروع الصهيوني يعني تقديم مفتاح لبنان على طبق من فضة، ونحن لن نفعل ذلك ما حيينا."
إن مواقف هؤلاء المفكرين، من مدارس فكرية واتجاهات سياسية مختلفة ولكن متوافقة في جوهرها، تؤكد أن الوعي المسيحي اللبناني لم يكن يومًا غافلاً عن خطورة المشروع الصهيوني. بل على العكس، فقد قدّم قراءة استراتيجية مبكرة عما ستؤول إليه أوضاع المنطقة إذا لم يتم التصدي لهذا المشروع الخطير والمدعوم من قوى دولية كبيرة وفاعلة.
اليوم، وبينما يعيش لبنان والمنطقة تداعيات الانهيار الجيوسياسي، تبدو تلك المواقف والمقالات وكأنها كُتبت بالأمس. فهل نستعيد هذا الوعي؟ وهل نعيد قراءة تلك النصوص بعين مسؤولة تجاه حاضر تتجدد فيه الأخطار ذاتها، ولو بأدوات مختلفة؟ هل حان الوقت لكي يبدأ الجميع بالعمل على تنقية الذاكرة ومعرفة الحقيقة بعيدًا عن الدعايات والإشاعات التي سوقها الإعلام الموجه وأجهزة المخابرات الإقليمية زمن الحرب؟ وهل بالإمكان أن يفهم الجميع الحقيقة ويعملوا معًا من أجل لبنان وطنًا نهائيًا، يحترم فيه الإنسان كقيمة حضارية، ويتحاور فيه الجميع بكل احترام وثقة بعيدًا عن العصبيات ولغة التخوين، للوصول إلى اتفاق شراكة لا يتأثر بأي تغييرات سياسية قد تحدث هنا أو هناك؟