من عمق الإرث الرحبانيّ الفنيّ، انبثقت براعم الموسيقي والمسرحي زياد الرحباني، لكنّها حين أينعت انتفضت لتصنع بصمة خاصة في الموسيقى والمسرح والشعر. عبر تلاقي السياسة والإنسانية، وحبّ نضج بين الألم والصدق، نسج زياد قصة فنّية فريدة لا تشبه سواه، قبل أن تنطفئ شعلته في 26 تموز 2025، عن عمر يناهز التاسعة والستين.
النشأة والملامح الفنّية
وُلد زياد الرحباني في الأول من كانون الثاني عام 1956، في بيت مشبع بالفنّ والكلمة. والده عاصي الرحباني أحد رواد الموسيقى والمسرح اللبناني، ووالدته فيروز أشهر الأصوات في العالم العربي. نشأ وسط جوّ فنّيّ ثقافيّ غنيّ، منح موهبته انطلاقة مبكرة وأفقًا واسعًا في عالم الفن.
في سنّ لم يتجاوز الخامسة عشرة، بدأ زياد يرسم ملامح فنه المتميّز، مُعلِنًا عن موهبة استثنائية. أغنية "ضلي حبيني يا لوزية" (1971) التي غنتها خالته الفنانة هدى حداد، كانت أولى علامات بروز عبقريته في التلحين المبكر، وشاهدة على ميلاده الفني قبل الأوان.
عام 1973، بدأ التعاون مع والدته فيروز يأخذ شكله الأبرز، حين لحّن لها أغنية "سألوني الناس" ضمن مسرحية "المحطة" للأخوين رحباني، ليُثبت حضوره كقوّة جديدة في المشهد الموسيقي والمسرحي.
في العام ذاته، كانت مشاركته في مسرحيّة "ميس الريم" بدور صغير، وكانت المسرحيّة فرصة لإظهار حسّه الموسيقي المبتكر، حيث وضع مقدمة موسيقيّة تحمل إيقاعًا جديدًا ينبئ بثورة فنية قادمة.
لكن للمفارقة، أول أعماله المعروفة لم تكن في مجال الموسيقى، بل ديوانًا شعريًا بعنوان "صديقي الله"، كتبه بين عامَي 1967 و1968 حين كان في الثانية عشرة من عمره، وهو عمل أدبي يعكس تفكيرًا مبكرًا في التعبير عن الحياة.
"بيروت الغربية" صاغته
حين نتتبّع الجذور الأولى لتحوّل زياد الرحباني إلى فنان متمرّد وساخر وصوت سياسي جريء، لا يمكن تجاهل "بيروت الغربية". هذا الجزء من العاصمة المنقسمة على ذاتها مع انطلاق الحرب الأهلية عام 1975، لم يكن مجرّد مكان إقامة جديد له بعد مغادرته منزل والدَيه في أنطلياس، بل الأرض الخصبة التي نمت عليها تجربته الفنّية والفكريّة والسياسيّة، بعيدًا من ظل المدرسة الرحبانية التقليدية.
في سبعينات القرن الماضي، كانت "بيروت الغربية"، لا سيّما "شارع الحمرا"، مركزًا حيويًا للحياة الفكرية والسياسية، حيث تحوّلت مقاهيه الشهيرة إلى ساحات حوار ونقاشات حادّة. وسط هذا الزخم، وجد زياد الرحباني نفسه محاطًا بنيران الصراعات الفكرية، بين اليساريين، والماركسيين، القوميين، الفلسطينيين، والصحافيين، ما أضاف بعدًا جديدًا وتجربة أغنت مساره الفني.
لم يكتفِ بتلقّي الأفكار أو التعبير عنها من موقع المتفرّج، بل خاض غمار المواجهة من خلال فنّه، محوِّلًا المسرح والأغنية إلى أدوات أرادها "مقاومة ضد الظلم والفساد والحرب". وفي أعمال مثل "بالنسبة لبكرا شو؟"، و "فيلم أميركي طويل"، لم يقدّم الرحباني مجرّد عروض مسرحية، بل صيحات احتجاج تعبّر عن نبض الشارع ومعاناة الطبقات المهمّشة، بلغة صريحة، قريبة من الناس، ومشحونة بسخرية جارحة.
بالإضافة إلى المسرح كمنصة للتعبير، وسّع زياد آفاقه لتشمل أثير الإذاعة. في برامج مثل "تابع لشي تابع شي"، و "العقل زينة"، حيث خرج عن المألوف، ساخرًا، لاذعًا، ومباشرًا. ففي زمن الحرب والانقسام، تحوّلت الإذاعة إلى مسرح موازٍ، وميكروفونها إلى منبر لمساءلة السلطة، وتفكيك الخطاب الطائفي، والسخرية من الخوف الجماعي.
يبقى أنّ من أبرز أعمال زياد الرحباني: مسرحيّة "سهرية" (1973) التي تناولت مواضيع اجتماعية بنكهة ساخرة، وحققت نجاحًا لافتًا. ثم "نزل السرور" (1974)، و "بالنسبة لبكرا شو؟" (1978)، التي حملت صوت الطبقة العاملة والطبقة الكادحة، برؤية نقدية للواقع اللبناني. "فيلم أميركي طويل" (1980) رصدت مأساة الحرب اللبنانية وتأثيرها على المواطنين. أما في "شي فاشل" (1983)، فتناول مواضيع سياسية واجتماعية من تلك الحقبة بشكل صريح وساخر على عادته في نصوصه.
وتأتي الأغنيات التي حملت توقيع زياد الرحباني لتحطّ في الخانة عينها لمسرحيّاته، كما في أسطوانة "أنا مش كافر" (1985) بأغنياتها التي حملت رسالة سياسية واضحة برفض الاستسلام والحفاظ على الهوية.
"الجاز" تمرّد من نوع آخر
تمرُّد زياد الرحباني الحقيقي في الفن جاء مع دخول "الجاز" إلى موسيقاه. في منتصف ثمانينات القرن الماضي، ومع ألبومه "هدوء نسبي" (1985)، أسّس الفنان المبدع مدرسة موسيقية جديدة شكّلت منعطفًا فنّيًا لافتًا، مزج فيها "الجاز الغربي" مع المقامات الشرقية وربع النوتة. وجسّدت ضمنه أغنية "بلا ولا شي" أسلوبًا لحنيًّا انسيابيًّا وتعبيرًا عاطفيًّا حرًّا.
عام 1991، قدّمت فيروز أغنية وألبوم "كيفك إنت؟" مع نجلها زياد. عمل شكّل منعطفًا جريئًا في مسيرتها وأثار جدلًا واسعًا بسبب خروجه عن مألوف فيروز، لا سيّما بتأثره الواضح بموسيقى "الجاز" والكلام الذي جعل فيروز تنتقل من مصاف المرأة الملاك إلى المرأة الواقعيّة التي تعيش تفاصيل نساء مجتمعها.
الحبّ كما لم يُغنِّه أحد
رغم انشغاله العميق بالسياسة والتمرّد، تجلّى الحب كقوّة خفيّة ملهمة لفنّ زياد الرحباني، لا سيّما من خلال علاقته بامرأتين خرجت قصّتيهما إلى العلن. الأولى، دلال كرم، زوجته (السابقة) التي أشعلت في أعماله نار الألم والسخرية، حيث عبّر زياد عن خيبته وانكساراته بعد انفصالهما، في أغنيات مثل "مربى الدلال" و"بصراحة"، متناولًا لا فقط الخلافات الشخصيّة بل حتى التوترات العائلية المحيطة بعلاقتهما.
وفي خضم قصّتهما المعقّدة، أنجبت دلال ابنًا سمّي عاصي تيمّنًا بجدّه عاصي الكبير، لكن السنوات اللاحقة ستحمل إلى حياة الأب والابن تراجيديا إنكار الأبوّة وانحلال البنوّة.
أما المرأة الثانية، فكانت الممثلّة كارمن لبّس، التي رافقته في علاقة استمرّت خمس عشرة سنة بطلعاتها ونزلاتها التي تكشّفت في أحاديث صحافيّة وإعلاميّة تلت انفصال النجمَين. لبّس كشفت أنّ الرحباني كتب لها خلال فترة ارتباطهما أغنيتَيْ "بلا ولا شي"، و"عندي ثقة فيك". لكن بعد انفصالهما، لم يظهر في فنّه الوجع والحدّة اللذَين ظهرا في أغنياته عن دلال.
إذًا، مزج زياد الرحباني بين قضايا الوطن وهموم الإنسان وحكايات الحب بكل تعقيداته، ليبني إرثًا فنيًا فريدًا لا يشبه إلا روحه المتمرّدة، ويترك اسمه محفورًا في ذاكرة بيروت وقلوب من آمنوا بفنّ يجرؤ على قول الحقيقة ويعبّر عن نبض الحياة بواقعيّة.