ريتا عازار

كيس بطاطا كبير بثلاثة لقاحات

أخيراً التقطتني كورورنا

7 دقائق للقراءة
زمان يا لقاح

منذ خمس سنوات كنتُ امرأةً لا تُقهر. لا كورونا، لا أوميكرون، ولا حتى ابن عمّه دلتا، استطاعت أن تلمسني أو تقترب منّي. أخذتُ اللّقاح الأول بشجاعة "جنرالة" عائدة من المعركة، والثاني بابتسامة مَن تعرف أنها ستعيش للأبد. أما الثالث؟ فكنتُ أرقص بعده رقصة النصر، وكأنني البطلة الخارقة الوحيدة الباقية في عالمٍ موبوء.



لم أكن امرأةً عاديّة، كنتُ "مطعّمة تامة"، ثلاث جرعات من الوقاية، وثقة نفس جعلتني أضع الكمامة أحيانًا كزينة لا كضرورة. مع مرور الوقت بلا إصابة، صرت أتمشّى بين الناس في السوبر ماركت، المكان الوحيد الذي كان مسموحًا لنا ارتياده، وكأنني أقول في سرّي: "يا ناس يا هو، أنا مؤمّنة، مطعّمة، ومحميّة من كل شر!".


خمس سنوات مرّت، والفيروس يهاجم من هنا وهناك، وأنا أتفادى كلّ ضربة وكأنني في لعبة فيديو. لم أصب مرّةً، حتى في أصعب الظروف. حين أصيبت أخواتي وصديقاتي وأزواجهنّ وسائق التاكسي، بقيتُ صامدة، أرمش بعينيّ قليلًا، أشرب شاي الزنجبيل وأتمنّى أن "تصنع المناعة الفرق". حتى أنني كدت أكتب منشورًا على "فايسبوك" يومًا أقول فيه: "المطاعيم ليست فقط لحمايتكم، بل لحمايتي أيضًا من شعور الشفقة عليكم".


مكر الحياة

لكن، يا لسخرية القدر ومكر الحياة! يبدو أنّ الفيروس قرّر الاحتفال بذكرى مرور خمس سنوات على انطلاقتنا القوميّة في التطعيم، وقرّر أن تكون الهديّة، إصابتي أنا شخصيًا، وبأعراض كاملة.


استيقظتُ في أحد الأيام، وأنا أشعر أنّ رأسي ليس رأسي. كأنني استعرت جمجمة شخص آخر، مليئة بأفكار ضبابية وصداع طنينه مثل جرس مدرسة لم يتوقّف منذ عام 1998. نظرتُ في المرآة وقلتُ: "غريب هل أنا تعبانة؟". ضحكتُ لنفسي، فأنا لا أتعب، أنا صلبة قليلاً، لِنقُل كإشارة "واي فاي" في بيتنا. لكنّ الضحكة لم تدم طويلاً!


بعد ساعة فقط، بدأت الحرارة. أولًا، صعود خجول، ثم انفجار حراريّ جعلني أتساءل إن كنت تحوّلت إلى شواية كهربائية. ثم جاء السُعال. سُعال من نوع خاص، كأنه يخرج من رئة عجوز كان يدخّن منذ العهد العثماني. لكنّه اختفى بسرعة كأنه ديفيد كوبرفيلد. كل هذا؟، لا بأس. ما زلت أحاول التماسك.


بطاطا بطاطا

لكنّ اللحظة الحاسمة كانت حين نظرتُ إلى السرير وقلت: "سأتمدّد لخمس دقائق فقط". هنا بدأت الرحلة نحو التحوّل التام إلى كيس بطاطا مرميّ في أرض سوق الخضار في عين الشمس. سقطتُ فوق السرير وكأنّ أحدهم أطفأ زرّ طاقتي بالكامل. بقيت هناك، لا أفكر، لا أتحرّك، أتنفّس لكن كأنني أتنفس من خلال "خيشة" مبلولة.


كلّ مَن رآني قال: "مسكينة… كانت تقول دائمًا إنها لا تُصاب!".

أما أنا؟ فقلت في داخلي: "لقد سقطتُ وإنما بأسلوب درامي محترم!".

طبعًا، في اليوم الثاني، بدأتُ أشكّ أنني لست مريضة بكورونا، بل ببرنامج كاميرا خفيّة صحّي. لكنّ الحرارة كانت صادقة، الألم في الحلق كان حقيقيًا، حتى أنني بدأت أرى أحلامًا غريبة. حلمتُ أنّ الفيروس يجلس معي في غرفة المعيشة، يحتسي القهوة، ويقول لي: "أنا آسف، كان ينبغي أن نلتقي".


الساخر في الأمر؟ أنني لم أعد خائفة، بل شعرت بشيء من الفخر الغبي. قلت لنفسي: "أصبتُ بعد خمس سنوات، لا بأس. هذا يُعتبر إنجازًا! كثيرون سقطوا قبلي، وأنا صمدت طويلاً".


على مراحل

ثم جاءت مرحلة التقييم الذاتي، هل فشلت اللقاحات؟ لا، على العكس. أعراض الإصابة كانت سخيفة مقارنة بما كنت أسمعه في 2020. لم أُحتجز في مستشفى، لم أصرخ طالبةً الأوكسجين، لم أكتب وصيتي. لكن، وبصراحة؟ الإصابة جعلتني أتعلم شيئًا مهمًا، وهو أنّ نوبات الكبرياء الوقائي لا تصنع مناعة إضافية.


على مدار الأسبوع الذي عشته كـ "بطاطا محترمة"، مررت بمراحل كثيرة:

المرحلة الأولى: الإنكار. "لا، هذه حساسية، فقط نمتُ والمروحة فوقي".

المرحلة الثانية: الغضب. "ليش أنا؟ وأنا إلي خمس سنين بشرب فيتامين سي!".

المرحلة الثالثة: الاكتئاب. "أنا فشلت، فشلت كإنسانة وكمطعّمة...".

المرحلة الرابعة: القبول. "أنا الآن بطاطا، وأتقبّل هذا المصير".

المرحلة الخامسة: الضحك. "بس والله البطاطا نوع فاخر، نايم ومرتاح وما عنده التزامات".


"بقّوسي"

وطبعًا، كالعادة، في لحظات المرض الحقيقية تأتي الحكمة.

فكّرت كثيرًا أثناء فترة نومي غير المنقطع: كم من الأمور أخذناها على محمل الجدّ؟ وكم مرّة ظننّا أننا بمنأى عن الضعف؟ اللقاحات كانت حاجزًا، لكنّها ليست درعًا سحريًا. والفيروس، رغم كل تطعيماتي، وجد طريقة للدخول، ربما من مشروب مثلّج، أو من غمازة طفل عطس عليّ وهو يقول لي ضاحكًا: "بقّوسي!".


ومع كل هذا خرجت من التجربة أقوى، أو على الأقل، أكثر سخرية من نفسي.

هل تعلمت الدّرس؟ نعم. هل سأعيد التلقيح لو احتجت؟ أكيد. هل سأستهين بالفيروس مجددًا؟ لا. لكنّني سأضحك في وجهه لو عاد. فنحن، النساء، حتى ونحن في دَور "كيس بطاطا"، نبقى نتحكّم بالموقف من السرير ومع كوب شاي وحرارة 39. والأجمل؟ أنّ أصدقائي الآن ينادونني "البطاطا الخارقة". وهذا لقب، بصراحة، أستحقّه بعد كل ما مررت به!


أما الطبيب الذي يداويني في العادة، فقال لي بكلّ هدوء في ردّه عليّ عبر واتساب: "كوفيد صار متل الكريب".


في البال

لم أنسَ، ولا أظنّ أحدًا نسي الذين غابوا في الجائحة. لم يكونوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل أسماء في هواتفنا، وضحكات عالقة في ذاكرة المقاهي. لم نعلّق صورهم على الجدران، بل علّقنا عاداتهم في تفاصيل يومنا: فنجان القهوة كما كانوا يحبّونه، النكتة التي لا تُضحك أحدًا غيرهم، أو طريقة غريبة في طيّ الغسيل. مضوا... لكنّهم لم يغيبوا. كلّ ما في الأمر أننا أصبحنا نعيش عنّا وعنهم، ونضحك مرّتَين: واحدةً لأنّ الحياة تستحق، وأُخرى لأنهم كانوا سيضحكون لو كانوا هنا. لم يأخذهم الفيروس وحده، بل أخذ معه شيئًا من سذاجتنا. الآن بتنا نعرف أنّ الحبَّ لا يُؤجَّل، وأنّ السّلامة لا تعني الخوف، بل الاحترام لِما لم يعُد بِيدنا.


إلى قناعي

أمّا أنتَ يا قناعي الحبيب، يا كمامتي، يا "نوسك إنت يا F1N1"، يا رفيق السنين والجيوب، يا من كنتَ كالظلّ على وجهي لا تتركني لا لفرح ولا لحزن. أقسم أنني وضعتك أكثر ممّا وضعتُ أحمر الشفاه، وأنك كنت أقرب إلى قلبي من حمّالة صدري! وضعتك أوّل مرّة وكنت أظنّ أنّ الأمر مسألة شهر، بالكثير اثنَين، وسنعود نستنشق الأوكسجين النقي. لكنّك بقيت، بقيتَ على وجهي لعامَين ونصف العام، وأصبحت مثل قناع الأبطال الخارقين، إنّما من دون قوى خارقة، ومن دون تهوئة.


كنتُ أحملك في الحقيبة، في الجَيب، في السيارة، في كلّ مكان. وغالبًا... كنت أحملك مرّتَين لأنني دائمًا أنسى أنك في الجَيب الثاني! صرتَ أيها القناع رفيقي في كل مشوار: في السوبر ماركت، في البقالة، في عرس قرابتي، وفي عزاء ابن عم جارتنا... القناع القناع القناع، في كل المناسبات!


أحيانًا، كنت أضعك بالعكس، ولا أحد يلاحظ. مرّة وضعتك وأنا مقلوبة المشاعر، فوضعتك من جهة الخياطة وشعرت أني أتنفّس من خلال قطعة كرتون رطبة. صبرت. ومرّة نسيتك في السيارة تحت الشمس، فعدت لأجدك قد انكمشت، كأنك حزِنت لأنّني تركتك وحدك.


هل أحببتك؟ بصراحة؟ لا. لكنّني تعودت عليك كالتجاعيد تحت العينَين، صرت جزءًا من شخصيّتي، مكياجي، وهويّتي الوقائيّة. والآن بعد أن غادرتني، أشعر كأنني نسيت شيئًا. كأنّ وجهي مكشوف للعالم بشكل فاضح. أين أنت يا زلمي؟


ويبقى أنّ المناعة ليست فقط في عدد الجرعات، بل في مرونتنا النفسية وقدرتنا على السخرية من أنفسنا ونحن على شفا انهيار. أما أنا؟ أنا امرأة قاومت لسنوات، سقطت أخيرًا، لكنّها سقطت بأسلوب أنيق، والآن عادت للحياة من جديد، تضحك وتكتب، وتخبركم أنّ الوقاية خير من العلاج، لكنّ الضحك خير من كلَيهما. فلنقهقه قبل الكوفيد الأخير.

حتى طوم هرب من كورونا

أقنعة كورونا F1N1... فتنة