بشارة جرجس

"Betarabia" ضحية أباطرة السوق السوداء والكيد السياسي

19 دقيقة للقراءة

يشتدّ السجال حول منصّة «Betarabia» المشغَّلة عبر كازينو لبنان وهي المؤسسة الشرعية التي تعزّز إيرادات الدولة وتضبط الفوضى، في وقت تُشنّ عليها حملة مثيرة للجدل. التساؤلات كثيرة منذ لحظة توقيف رئيسي مجلس إدارة الكازينو رولان خوري والشركة المشغلة OSS جاد غاريوس بدون أي تهم واضحة أو مقنعة. أسئلة كثيرة مذاك باتت تُطرح حول مسار الحملة والتحقيقات ونزاهتها.


ولكن بالموازاة، تتكشّف أيضا حقائق ومعطيات تقطع الشك باليقين وتدحض مزاعم عدم شرعيّة Betarabia حيث انقلب السحر على الساحر وفُضح أصحاب الحملة الرافضين لتنظيم المراهنات الإلكترونيّة، وهم: أباطرة السوق السوداء. فما هي الخلفيّات القانونيّة لعمل «Betarabia»، وما هي "الفبركات" في الحملة ضدّها، وما الدوافع الخفيّة وراء هذا التصعيد؟


الخلفيّة القانونيّة: حصريّة الكازينو وترخيص المنصّة

تخضع ألعاب الميسر في لبنان لمبدأين قانونيَّين: المنع إلا بترخيص، والحصريّة في كازينو لبنان. فقد منح القانون رقم 417 لعام 1954 شركة كازينو لبنان الحقّ الحصري لاستثمار ألعاب القمار في مقرّه بالمعاملتين. وأُعيد تأكيد هذه الحصريّة بموجب القانونين 320/1994 و417/1995. لاحقاً، ومع تطوّر تقنيّات المراهنات، وافق مجلس الوزراء عام 2008 على تعديل عقد كازينو لبنان (الموقَّع أساساً سنة 1995) ليشمل تنظيم ألعاب القمار والمراهنات الرياضيّة عبر الإنترنت بشكل حصري للكازينو، ووقّع حينها وزيرا الماليّة والسياحة على العقد المعدّل. أي أنّ الدولة منحت الكازينو صلاحية صريحة لتشغيل ألعاب الميسر Online منذ 2008.


في السنوات اللاحقة، صدرت مراسلات رسميّة تؤكّد توجّه الدولة نحو تنظيم هذا القطاع. بين 2014 و2016 خاطبت وزارة الماليّة إدارة الكازينو مطالِبة ببدء إطلاق خدمات الميسر الإلكتروني، وبحلول عام 2020 تجدّدت المراسلات لإطلاق مناقصة عالميّة لإنشاء منصّة مراهنات شرعيّة.


بالفعل تقدّمت 18 شركة إلى المناقصة التي فازت بها شركة OSS التي يترأسها جاد غاريوس تحت أنظار خبراء بريطانيين. وفي تشرين الأوّل/أكتوبر 2022 تمّ توقيع عقد التشغيل بين كازينو لبنان وشركة OSS وفق الصلاحيات الممنوحة للكازينو ضمن عقد الامتياز. ثم في آذار 2023 – بعد دراسة أثر المقامرة غير الشرعيّة على إيرادات الدولة وعجز الأجهزة الرسميّة عن كبحها – اتُّفق على إستراتيجية جديدة: تقنين وضع “الوكلاء” غير الشرعيّين تحت سقف الشرعيّة عبر التعاقد معهم (Affiliated Agents)، بهدف إدخال جميع مشغّلي الرهانات في النظام الشرعي وتأمين عائدات مباشرة (حصة أرباح) وغير مباشرة (ضرائب) للخزينة.


نال هذا الاتّفاق موافقة استثنائيّة من رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة في 21/10/2022، وتبعها توقيع ملحق عقد من قبل وزيري السياحة والماليّة في 22/3/2023. وبموجب هذا الملحق تمّ توسيع امتياز الكازينو ليشمل كافة ألعاب الميسر الحاضرة والمستقبليّة (سواء صُنّفت قانوناً كألعاب حظ أم لم تُصنّف بعد) ، مع حصة دولة ثابتة 50% من الإيرادات بعد اقتطاع كلفة التشغيل.



جدير بالذكر أنّ المنصّة التي أُطلقت تحت اسم «Betarabia» باتت أوّل منصة لعب قمار ومراهنات إلكترونية شرعيّة في لبنان، مملوكة بكاملها لكازينو لبنان (الذي تملك الدولة حصة وازنة فيه عبر شركة إنترا)، وباشرت نشاطها رسميّاً عام 2023. وقد شدّدت شركة Betarabia في بيان توضيحي لها على أنّ كافة إجراءاتها قانونيّة وتمّت عبر عقود رسمية وبموافقات حكوميّة، بهدف تنظيم القطاع وضمان عائدات للدولة. وهذا ما أكّده أيضاً رأي ديوان المحاسبة لاحقاً.


ديوان المحاسبة: شرعيّة المنصّة وضرورة التشريع

أُثير جدل قانوني حول ما إذا كان تشغيل المقامرة أونلاين يحتاج إلى قانون جديد (باعتبار أنّ الامتياز الأصلي للكازينو عام 1995 اقتصر على مقرّ مادّي في المعاملتين). وفي نيسان/أبريل 2023 طلب رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي رأياً استشارياً من ديوان المحاسبة لحسم هذه المسألة. صدر رأي الديوان في تشرين الأوّل/أكتوبر 2023 ليؤكّد بضعة أمور جوهريّة:


● وضع الكازينو القانوني: شركة كازينو لبنان هي شركة مساهمة خاصّة تتمتّع بامتياز من الدولة، لا تخضع لقانون الشراء العام كونها تنفق مالاً خاصّاً، وبالتالي أي مناقصة تجريها تخضع لنظامها الداخلي والقوانين الخاصة بالشركة. أي أنّ التعاقد مع OSS لتشغيل المنصّة لم يكن ملزَماً بالخضوع لإجراءات المناقصات العموميّة المعتادة، ما يدحض شبهات بطلان العقد من هذه الناحية.


● ضرورة التشريع المستقبلي: اعتبر الديوان أنّ موضوع المقامرة أونلاين يحتاج إلى إطار قانوني جديد وفق مبدأ "توازي الصيغ". بمعنى أن يُصدر مجلس النواب قانوناً ينظّم صراحةً ألعاب الميسر الإلكترونيّة. كما أوصى بـ«وجوب وضع الأطر القانونية والتنظيمية لقطاع القمار أونلاين من دون إبطاء، لحماية حقوق الدولة الماليّة وحقوق كلّ الأطراف». وهذا اعتراف بأنّ الفراغ التشريعي هو مكمن الخلل الأساسي حالياً، لا أن هناك جرائم ارتُكبت.


● تأكيد مشروعيّة الوضع القائم: رغم ملاحظة غياب القانون الخاص بالميسر الإلكتروني، شدّد ديوان المحاسبة على مشروعيّة (légitimité) عمل كازينو لبنان عبر منصة Betarabia في ظل غياب القانونيّة (légalité). أي أن المنصّة مغطّاة شرعيّاً بموجب عقود أُبرمت أصولاً وبموافقات حكوميّة قائمة، حتى لو كان الأفضل إصدار قانون ينظّم القطاع صراحة.


الديوان نفسه خلص إلى أنّ هذه المنصّة هي الوحيدة "المرخّصة" حالياً وأنّه يجب على الأجهزة المعنيّة إقفال المحال والمواقع غير المرخّصة التي تنافسها بشكل غير شرعي. والأهم أنّ التقرير المؤلّف من 27 صفحة لم يتضمن أي توصية بوقف عمل Betarabia أو إلغاء العقد مع OSS، لعدم وجود أي مخالفة في تلك العقود مما يُشاع حالياً.


بل على العكس، اعتبر الديوان أنّ طلب بعض الجهات وقف المنصّة ليس في محلّه القانوني ويشكّل تجاوزاً لسلطة الوصاية، لأنّ الكازينو شركة صاحبة امتياز تُدار وفق نظامها التجاري الخاص. وقد رفض الديوان إعطاء أي إيعاز بوقف الألعاب الإلكترونيّة، مؤكّداً أنّ ذلك ليس من صلاحيّته طالما العقد قائم وشرعي، ومشيراً إلى ضرورة ترك الأمر لإدارة الكازينو وخياراتها ضمن القانون.



خلاصة الأمر أنّ أعلى هيئة رقابيّة ماليّة في لبنان أقرت بشرعيّة Betarabia كحلّ مرحلي لتنظيم القطاع، ونبّهت إلى وجوب الإسراع في إقرار التشريعات اللازمة من دون المسّ باستمرارية المشروع. وهذا الدليل الدامغ يدحض الادعاءات أنّ المنصّة "غير قانونيّة" أو أنّ عقدها "مخالف للنظام العام". فالدولة نفسها (عبر ديوان المحاسبة) اعترفت بأنّ المشكلة في نقص التشريع، لا في المشروع بحدّ ذاته.


سياق الحملة القضائيّة: قرارات ملتبسة وتهم خطيرة

مع بداية صيف 2025، تفاجأ المراقبون بتطوّر دراماتيكي تمثّل في مداهمات أمنيّة "استعراضية" وقرارات قضائيّة "ملتبسة" طالت ملف المراهنات الإلكترونيّة. ففي أواخر حزيران (يونيو) 2025 نفّذت المديريّة العامّة لأمن الدولة حملة لإقفال عدد من محالّ القمار غير الشرعي (صالات ألعاب فيديو بوكَر ومكاتب مراهنات خارجة عن القانون) في مناطق لبنانيّة مختلفة، وختمتها بالشمع الأحمر. هذه الخطوة لاقت ترحيباً من الكثيرين كونها تستهدف أوكاراً مخالفة تستبيح المنازل والشباب.


لكن بالتوازي معها حصل ما أقلق المراقبين: دخل عناصر أمن الدولة أيضاً إلى مكاتب كازينو لبنان نفسه، واستدعوا رئيس مجلس إدارته رولان خوري للتحقيق، كما داهموا شركة تحويل الأموال OMT لجمع معلومات، وذلك بناءً على إشارة المدعي العام المالي بالإنابة القاضية دورا الخازن. عنوان الملف لدى الخازن كان أنّ تشغيل الكازينو لهذه الألعاب عبر Betarabia غير شرعي، ما يعني أنّ الحملة شملت المشروع الشرعي المرخّص نفسه وليس فقط المنصّات السوداء.


وبحلول 30 حزيران 2025 أصدرت القاضية الخازن قراراً بتوقيف جاد غاريوس (مدير شركة OSS المشغلة لـBetarabia) حيث احتُجز لدى أمن الدولة. ثم في 1 تموز 2025 تمّ توقيف رولان خوري أيضًا ووضعه رهن التحقيق. هزّت هذه التوقيفات الأوساط الاقتصادية والقضائيّة، إذ طاولت شخصيّات معروفة تدير مشروعاً هو بعلم ورقابة الدولة. وبعد تحقيقات استمرّت لأسابيع دون أي إعلان واضح لماهيّة الجرم، برز تطوّر غريب يوم 9 تموز 2025 حيث ادّعت القاضية دورا خازن رسميّاً على كلّ من رولان خوري وجاد غاريوس بارتكاب جرائم ماليّة بدون أي إثباتات: هدر المال العام والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال.


هذه "الادعاءات – التهم" شكلت صدمة ودفعت كثيرين للتساؤل: كيف يمكن اعتبار مشروع أُنشئ بعلم الدولة ويُدخل إيرادات للخزينة مشروع فساد وتبييض أموال؟ وكيف تُلصق تهمة هدر المال العام برولان خوري فيما مشروع المراهنات الإلكترونيّة زاد أموال الخزينة بدل أن يهدرها؟ بل كيف يُتّهم جاد غاريوس بـتبييض الأموال فقط لأن التعاملات تتم عبر عملة رقميّة مستقرّة (USDT) تُستخدم عالميّاً على نطاق واسع، وسبق لمصرف لبنان نفسه أن أجاز استخدامها لضمان سهولة التحويل وتفادي قيود البنوك؟ هذه التساؤلات وغيرها تزيد الريبة بأنّ الملفّ ليس نقّياً قضائياً، وربما اتُّخذ سِتار مكافحة الفساد غطاءً لتصفية حسابات أو إعادة توزيع حصص في سوق قمار باتت مليئة بالأرباح.


يُشار هنا إلى مفارقة قانونيّة "واضحة وضوح الشمس" أثارت الانتقاد: فقد سُمِح في السابق لعدد من مشغّلي المراهنات غير الشرعيين بتسوية أوضاعهم عبر توقيع عقود مع الكازينو (كموزّعين أو وكلاء Agents للمنصّة الشرعيّة) تحت إشراف النيابة العامة التمييزيّة، بحيث يدخلون المنظومة الشرعيّة بدل ملاحقتهم.


لكنّ هؤلاء نفسهم وجدوا أنفسهم اليوم موقوفين بتهمة العمل غير الشرعي! كيف يجوز لجهاز قضائي أن يفرض الشرعيّة على شخص في مرحلة أولى ثم يتّهمه بعد ذلك بأنه غير شرعي؟ إن هذا التناقض ينسف صدقيّة الإجراءات ويطرح علامات استفهام حول تخبّط الأجهزة الرسميّة في فهم الملف. وقد وصفت محطة MTV هذا الملف بأنه أصبح “نقطة سوداء” في سجلّ القضاء اللبناني، طالما أنّ المظلوم يُحاكم والمذنب يفلت بفعل التدخلات السياسيّة.


دوافع الحملة باتت واضحة:

في ضوء ما سبق، بات التشكيك بالدوافع الحقيقيّة وراء فتح ملف كازينو لبنان وBetarabia مشروعاً، فمن غير المنطقي أن تتحرّك الدولة بهذه القسوة ضدّ مشروع يدرّ عليها الأموال، وفي الوقت عينه تغضّ الطرف عن كبريات أوكار المراهنات الموازية. من هنا برزت فرضيات عدّة تداولتها مصادر سياسية وإعلامية بارزة حول المستفيد مما يجري:


● إعادة ترتيب الحصص: يعتقد كثيرون أنّ الهدف الفعلي من إثارة القضية ليس حماية القانون، بل إعادة خلط أوراق اللعبة الماليّة في قطاع المراهنات الإلكترونية. فالقطاع الذي يدر عشرات الملايين بات مطمعاً لكثيرين. بالتالي ربما سعى بعض النافذين إلى إدخال شركاء جدد في هذا الكنز المالي على حساب الشركاء الحاليين، أو حتى استبدال الشركة المشغّلة بأخرى يتمّ منحها الامتياز، في تطبيق لسياسة «قوم تأقعد محلّك» الشهيرة. وهذا السيناريو تدعمه ملاحظة أنّ منصة Betarabia لا تزال تعمل بشكل طبيعي (لم يتم إيقافها تقنيّاً) رغم توقيف مالكيها وبعض كبار موظفيها، ما يوحي بأنّ هناك من يتحضّر لاستلامها جاهزة بعد إزاحة القائمين عليها. بكلمات أخرى، قد تكون المعركة صراع نفوذ على "آلة طباعة أموال" جديدة، أكثر منها حرصاً قانونياً.


● استهداف شخصيّات وتصفية حسابات: تشير مصادر إعلامية إلى أن أحد الأهداف قد يكون الإطاحة برئيس مجلس إدارة الكازينو رولان خوري شخصياً قبل انتهاء ولايته الممدّدة في نيسان 2026. فرولان خوري محسوب سياسياً على جهات معينة وربما تضرّر نفوذ خصومه من بقائه. وقد قيل إنّ تهمة تبييض الأموال فُصّلت له تحديداً كـ «أسوأ تهمة» لتبرير استبعاده. وفي المقابل نفت مصادر رسميّة وجود قرار مباشر باستبدال شخص بشخص في رئاسة الكازينو، لكنها لم تنفِ نية التغيير، ملمّحة إلى تصوّر لتطوير مشروع سياحي منافس للكازينو قد يتولّى إدارته شخص آخر في المستقبل. وعلى أرض الواقع، سواء كان استهداف خوري أو غيره مقصوداً، النتيجة واحدة: شلّ إدارة الكازينو الحاليّة وإدخالها في متاهة قضائية طويلة.


● لوبيات السوق السوداء: لا يمكن إغفال دور أباطرة المراهنات غير الشرعيّة في تحريك نفوذهم وأدواتهم والرأي العام ضدّ Betarabia. مَنْ هم هؤلاء؟ يذكر العارفون بالأسماء شخصيّتين بارزتين طالما هيمنتا على سوق القمار الموازي: المدعو هيثم العبد والمدعو جاك برصوميان الملقّب بـ«الملك». هذان الاسمان ليسا خفيّين؛ فبرصوميان يُعدّ أقدم مشغّلي ألعاب الميسر أونلاين في السوق السوداء وصاحب شبكة ضخمة من الوكلاء والمنصّات إلى جانب نوادي video poker غير المرخّصة.


وقد اكتسب لقب «الملك» نظراً لقدرته على الإفلات من العدالة لعقود، مستفيداً من حماية سياسيّة، يُقال إنّها من حزب الطاشناق وحلفائه، لدرجة عجزت معها السلطات عن توقيفه. أما هيثم العبد فهو أيضاً أحد كبار مشغّلي المراهنات السوداء إلكترونياً وصاحب شبكة عملاء كبيرة، ويتقاسم النفوذ والمناطق والأرباح مع برصوميان. اللافت أنّ أباطرة السوق السوداء لا يزالان يسرحان ويمرحان رغم أنّ جرائمهم مثبتة (السماح للقاصرين بالمقامرة، سرقة أموال الدولة عبر التهرّب الضريبي، رشوة بعض القضاة والضباط…).


لقد اغتنى هؤلاء على حساب المال العام، ويُموّلون وسائل إعلام مأجورة للدفاع عن مصالحهم، فيما الدولة غضّت الطرف عنهم لسنوات طويلة. فجأةً اليوم نرى العكس: يتمّ استهداف المشروع الشرعي الوحيد الذي أخضع هؤلاء وأمثالهم للقانون، بينما يبقى «ملوك» السوق السوداء في منأى عن الملاحقة. أليس مشروعاً الظنّ أنّ هؤلاء حرّكوا نفوذهم السياسي والقضائي لتعطيل Betarabia والعودة بالقطاع إلى حقبة الفوضى السابقة لتضررهم الواضح من نجاح Betarabia؟


تشير معلومات صحافيّة موثوقة إلى أنّ برصوميان تحديداً استطاع الضغط عبر جهات سياسية نافذة لإقفال منصة Betarabia الشرعيّة، أملاً في استعادة احتكاره القديم للسوق ودفع "الخُوّات" للنافذين بدل ذهاب الأموال إلى خزينة الدولة. ولعلّ أخطر ما في الأمر، كما تورد "نداء الوطن"، أنّ هذه الجهات النافذة أصبحت معروفة ويُشتبه بأنها موّلت حملة إعلامية ضخمة لتشويه سمعة Betarabia ورئيسها، ووعدت بعض الإعلاميين بحصص عندما "يخرج" الكازينو من هذه اللعبة.


إذن: نحن أمام جريمة مكتملة العناصر: لوبي فساد مالي يمسك بخيوط في السياسة والإعلام لضرب مشروع شرعي لمجرّد أنّه قطع أرزاق المافيا.


في المحصّلة، تتقاطع كلّ هذه المعطيات عند احتمال أنّ الحملة على Betarabia لم تنطلق بدوافع حُسن تطبيق القانون وحده، بل مدفوعة برغبة في اقتسام كعكة المليارات أو تصفية حسابات سياسية وشخصيّة. هذا ما يجعل كثيرين يردّدون السؤال: «لماذا الآن؟» ومن المستفيد من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في قطاع أصبح منجم ذهب للدولة بدل أن يبقى مزراب هدر لجيوب المنتفعين؟


الأرقام تتكلم:

إن المفارقة الكبرى في هذا الملف تتجلّى عند النظر إلى الأرقام والوقائع الماليّة. فمشروع Betarabia وُجد أصلاً لـسدّ نزيف كانت خزينة الدولة تعانيه جرّاء تفشّي المراهنات غير الشرعيّة. ويقدّر خبراء أن حجم سوق المراهنات الإلكترونيّة في لبنان بلغ في الأعوام الأخيرة حوالي 20 مليون دولار شهرياً. قبل إطلاق المنصّة الشرعيّة، كانت هذه الأموال بمعظمها تتسرّب إلى مواقع أجنبيّة أو شبكات محلّية غير مرخّصة لا تدفع قرشاً واحداً للدولة.


أمّا بعد بدء Betarabia العمل أواخر 2022، فقد نجح الكازينو وشركة OSS في استقطاب نحو 13.5 مليون دولار شهريّاً من أصل الـ20 مليون، أي ما يعادل ثلثي السوق تقريباً، فيما انخفض حجم ما يُدار خارج الإطار القانوني إلى حوالي 6.5 ملايين فقط شهريّاً. وبعبارة أخرى، تم تجفيف غالبية منابع السوق السوداء لصالح المنصّة الشرعية، ما انعكس زيادة مباشرة في إيرادات الدولة كانت سابقاً مهدورة.


ليس هذا فحسب، بل إن توزيع العائدات ضمن المشروع يُظهر بجلاء مدى استفادة الخزينة: 53% من إجمالي الإيرادات تذهب إلى خزينة الدولة وكازينو لبنان (بالتساوي 20% لكل منهما، إضافة إلى نحو 13% كضرائب على الأرباح). أما الشركة المشغّلة العالميّة (مزود المنصة التقني) فتحصل على 15%، وشركة OSS اللبنانية على 5% فقط، فيما يذهب المتوسط حوالي 27% للوكلاء (agents) الذين يجلبون اللاعبين ويدفعون ضرائب للدولة.


هذه الصيغة عادلة ومربحة للدولة بلا شك، إذ يتبيّن أنّ الخزينة والكازينو يستحوذان على القسم الأكبر من كعكة الأرباح. وبالفعل تشير التقديرات إلى أنّ المشروع يؤمّن لخزينة الدولة وكازينو لبنان مجتمعَين ما نسبته 53% من حجم السوق المذكور، وهو دخل سنوي يناهز 100 مليون دولار كانت ستضيع كليّاً لولا المنصّة. وقد اعترف الرأي العام بذلك، حتى أنّ اعتقال جاد غاريوس وُصف بأنّه جاء “بدل تكريمه على زيادة مداخيل الخزينة”!


إزاء هذه الحقائق، يغدو اتّهام الشركة بإهدار المال العام أقرب إلى النكتة السمجة. فالأرقام الدامغة تثبت أنّ Betarabia قلّصت خسائر الخزينة من السوق السوداء وضاعفت إيرادات الكازينو، بينما إيقافها أو عرقلة عملها سيعني عملياً عودة عشرات ملايين الدولارات إلى الظلّ بعيداً عن أعين الدولة. لقد شبّهت بعض الصحف ما يجري بأنّه «إطلاق نار من الدولة على نفسها» حين تعمد إلى خنق مشروع يُدر المال العام ويسهم في تنظيم قطاع فوضوي. وهذا التشبيه في مكانه: فبدل أن تكافئ السلطات من ساعد في زيادة الخزينة بعشرات ملايين الدولارات، ها هي تسجنه وتشهّر به، ممّا يهدّد بهروب المستثمرين الشرفاء ويُعيد فتح المجال أمام عصابات المراهنات التي لطالما نهبت الدولة دون حسيب. وكما تساءل أحد الإعلاميين: كيف سنشجّع أي مستثمر في لبنان إذا كان من يربح مناقصة شرعية ويدفع ضرائبه يواجه هذه الحرب؟


"لا قانونية" الاتهامات:

بالإضافة إلى تضارب الدوافع والأضرار الواضحة، تعاني القضيّة ضد Betarabia من ثغرات قانونيّة وفنيّة عديدة تُضعف صدقيّتها:


● تناقض في تفسير القانون: الاتهام الأساسي هو أن تشغيل ألعاب الميسر أونلاين غير مرخّص بقانون، وبالتالي اعتُبر العقد مع OSS مخالفاً للقوانين ويضرّ بمصالح الدولة. لكن هذا التحليل يتجاهل أنّ وزارتي الماليّة والسياحة (وهما السلطتان الرسميتان المختصتان) وافقتا على العقد خطيّاً ووقّع وزيراهما على الملحق عام 2023. فهل يُعقل اعتبار العقد الموقّع من وزراء مفوّضين رسمياً باطلًا!؟ إن كان هناك نقص تشريعي كما ذكر الديوان، فالعلاج يكون بإقرار القانون، لا باعتقال من عمِل وفق عقود نافذة وموافقات حكوميّة. وإلا لأصبحت كل العقود الإدارية الموقّعة خلاف قانون قديم (بسبب تغيّر التكنولوجيا مثلاً) جريمة يُسجن أصحابها!


● تكييف خاطئ لجريمة "تبييض الأموال": استخدم المحقّقون كون الشركة تتعامل بالـ USDT (وهي عملة رقمية مستقرّة مرتبطة بالدولار) كذريعة لادّعاء وجود تبييض أموال. وهذا خطأ بيّن من الناحية التقنية والقانونيّة. فالـUSDT معترف فيها عالميّاً. لا يوجد قانون في لبنان يجرّم استعمال عملة رقمية مستقرّة أو يعتبره بحدّ ذاته قرينة على غسل أموال.


كان الأجدى بالتحقيق التركيز على مشروعية الأموال ذاتها (وهي مراهنات معلَنة ومسجّلة) بدلاً من الوسيلة التقنيّة للتحويل. علماً أن اختيار USDT تحديداً تم لتسهيل رقابة مصرف لبنان على التحويلات وضمان الشفافية، لأن كل عمليّة شراء للعملات الرقميّة خاضعة لمنصّات معروفة ويمكن تتبّعها. بالتالي، اتهام Betarabia بتبييض الأموال بسبب استخدام USDT يظهر سوء فهم فاضح لطبيعة العملات الرقميّة الحديثة.


● قصور تقني في التحقيق: أشار متابعون إلى أن التحقيقات الجنائية افتقرت إلى الاستعانة بخبراء تقنيّين مستقلّين في مجال المنصّات الرقمية. وبدل ذلك، اكتفى المحقّقون بموظفي قسم المعلوماتية العاديين لدى الأجهزة الأمنية. هذا القصور أدّى إلى أخطاء في استنتاجات التحقيق، كاعتبار بعض الحوالات الطبيعية شبهات، أو الفشل في تتبّع مسارات الأموال الإلكترونية بدقّة. لا سيّما وأن ملفاً بهذا الحجم المالي (يتعلق بمئات ملايين الدولارات سنويّاً) يستدعي أعلى مستويات الخبرة التقنيّة. عدم فعل ذلك يثير تساؤلاً: هل كان الهدف فعلاً الوصول إلى الحقيقة التقنيّة، أم أنّ الحكم صدر مسبقاً وجاء التحقيق كحبكة شكليّة لدعمه؟


● تجاهل الطرف الأساسي المخالف: تركزت الإجراءات على كازينو لبنان وBetarabia ومن تعامل معها، في حين لم نسمع عن مذكرات توقيف بحق رؤوس السوق السوداء الكبار (أمثال برصوميان والعبد المذكورَين). حتى بعد إثارة الإعلام لذكرهم بالإسم ووجود إخبارات سابقة ضدّهم، لم يُعلن عن أي تحرّك لاستدعائهم. هذه الانتقائية في تطبيق القانون تضرب مبدأ العدالة في الصميم، وتوحي بأنّ هيبة بعض النافذين أرعبت الأجهزة فلم تجرؤ على مسّهم، فاختارت التضحية بالجهة الشرعيّة الضعيفة ككبش محرقة.


مجمل هذه الثغرات دفع صحيفة نداء الوطن إلى التساؤل بمرارة: هل نحارب ما يسمّيه البعض "فساداً" بفسادٍ أكبر؟ فالتغاضي عن المافيات الحقيقيّة والتضحية بالقضاء والقانون في سبيل مصالح خاصة هو عين الفساد. وما يحصل في قضية Betarabia قد يكون مثالًاً صارخاً على ذلك إن لم يُتدارك الأمر بحكمة وعدالة.


معركة الدولة vs المافيا – أي وجه سينتصر؟

لا مبالغة في القول إنّ ملف Betarabia أصبح اختباراً مفصلياً لهيبة الدولة اللبنانيّة ومؤسساتها. فالقضيّة تتجاوز نزاعاً تجارياً أو قانونياً عادياً، بل إنّها تعكس صراعاً بين منطق الدولة ومنطق المزرعة، بين شرعيّة المؤسسات وشريعة العصابات. يقول أحد الصحفيين: “المعركة اليوم هي معركة الشرعيّة ضدّ السوق السوداء، معركة الدولة ضدّ المافيا”. فإمّا أن ينتصر مبدأ دولة القانون التي تحمي الحقوق وتكرّم من يزيد إيراداتها ضمن القانون، وإمّا أن ننتكس إلى شريعة الغاب حيث يُكرَّس الإفلات من العقاب لمن ينهبون المال العام.


من الواضح أن Betarabia صاحبة حق بامتياز قانوني وحيد في مجاله، وقد أثبتت بالأرقام والفعل فوائد مشروعها للدولة. بالمقابل، خصومها هم تجّار سوق سوداء ومتنفّذون تهرّبوا من العدالة طويلاً. الكرة الآن في ملعب القضاء اللبناني، فإما أن يحسم هذه المهزلة ويثبت أنه يدافع عن الحق العام لا عن مصالح النافذين، وإما، لا قدّر الله، يرضخ للضغوط فيسدّد ضربة قاضية لما تبقّى من ثقة المواطنين بدولتهم. لقد انتظر اللبنانيّون طويلاً نهضةً في القضاء تنصف المظلوم وتحاسب المرتكب مهما علا شأنه.


فهل نشهد في هذا الملف صحوة ضمير وإنصافاً للعدالة الحقيقية، أم نكرّس سابقة خطيرة بمعاقبة الاستثمار الشرعي وإعادة تسليم مفاتيح الاقتصاد للمافيات؟ إنّ الإجابة ستحدّد الكثير عن صورة لبنان المقبلة: دولة مؤسسات… أم "مزرعة" يتقاسمها "العبد والملك". والأمل معقود أن ينتصر القانون ويعود الحق لأصحابه، فبذلك فقط تبدأ عمليّة بناء الدولة.