إن خطر الحروب لا يصبح كارثة لأنه وُجد، بل لأنه أُهمل أو أُسيء تقدير مساره. ولعلّ أخطر ما يواجهه أي مجتمع في زمن الحرب، ليس فقط حجم النار والدمار والخسائر البشرية، بل العجز عن قراءة اتجاهها، والإصرار على التعامل مع الوقائع الجديدة بعقلية قديمة. كما أن تحويل أي نقاش أو نقد أو طرح للحلول إلى تهمة في زمن المواجهة وكأن الاعتراف بالمخاطر ومنع الكارثة قبل اكتمالها خيانة، لا يؤدي إلا إلى توسيع مساحة الخسائر وتأخير لحظة الإنقاذ بعد فوات الأوان، لأن الحروب لا تُدار بالعواطف وحدها، بل بالحسابات الدقيقة لموازين القوى والنتائج الممكنة.
فالتاريخ مليء بتجارب الشعوب والأنظمة التي لم تسقط فقط بفعل قوة خصومها، بل بسبب عجزها عن قراءة التحولات الجديدة، وتمسكها بقناعات قديمة لم تعد صالحة لزمن مختلف. ففي الحرب العالمية الأولى، دخلت دول أوروبية كثيرة المواجهة باعتقاد أنها ستكون حرباً قصيرة تنتهي خلال أسابيع، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ. وكذلك فعلت فرنسا عندما تمسكت بعقيدة “خط ماجينو” الدفاعية قبل الحرب العالمية الثانية، معتقدة أن تكرار أساليب الماضي كفيل بحمايتها، بينما كانت ألمانيا قد غيّرت استراتيجيتها بالكامل، فسقطت باريس خلال أسابيع.
وفي العالم العربي أيضاً، لم يكن جزء من هزيمة عام 1967 مرتبطاً فقط بالتفوق العسكري الإسرائيلي، بل بحالة الإنكار السياسي والإعلامي، وبمنع النقد والمحاسبة تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وهي العبارة التي تحولت لاحقاً إلى رمز لعجز الأنظمة عن مراجعة أخطائها قبل وقوع الانهيار. كذلك أظهرت تجارب حروب طويلة، من الحرب الأهلية اللبنانية إلى الحرب العراقية الإيرانية، أن المجتمعات التي تتأخر في الاعتراف بحدود القوة وبحجم المخاطر، تدفع أثماناً مضاعفة في البشر والاقتصاد والدولة.
في لبنان، تبدو صورة المشهد الحالي أكثر تعقيداً من أي مرحلة سابقة. فالجنوب يعيش استنزافاً مفتوحاً، والبلاد بأكملها تقف فوق أرض رخوة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، فيما يستمر السؤال الأساسي بلا جواب واضح: هل أفق المواجهة الحالية يقود إلى نتيجة إيجابية للبنان، أم أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى مسار أكثر خطورة؟
منذ اندلاع مواجهة ما بعد (طوفان الأقصى ) في غزة ، تغيّرت طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية بصورة كبيرة. لم تعد المواجهة تقتصر على قواعد الاشتباك التقليدية التي عرفها لبنان بعد عام 2006، ولا على فكرة الضربات المحدودة أو الاحتواء المرحلي، بل انتقلت إلى مقاربة تقوم على الهجوم الدائم ، والتدمير المنهجي للبنية والبيئة الحاضنة، واستهداف عناصر الاستمرارية البشرية والاقتصادية في المناطق الحدودية، بالتوازي مع استخدام فائض القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية بصورة غير مسبوقة.
لكن في المقابل، بقي جزء من اصحاب المواجهة العسكرية اللبنانية، أسير التجارب السابقة، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن المجتمع الدولي والإقليمي ما زال يتعامل مع المنطقة بالأدوات ذاتها، وجرى التعامل مع المواجهة على قاعدة أن ما نجح سابقاً يمكن تكراره اليوم، وأن استنزاف العدو سيقود حكماً إلى فرض توازنات جديدة، فيما كانت إسرائيل تعمل وفق رؤية مختلفة بالكامل، قائمة على إعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي والسياسي في الجنوب ولبنان، مستفيدة من التحولات الدولية والإقليمية الكبرى، ومن الانهيار الداخلي اللبناني غير المسبوق.
الأخطر من ذلك، هو استمرار الرهان على ربط الساحة اللبنانية بالمواجهة الإقليمية الكبرى، وكأن مصير لبنان جزء مضمون من تسويات المنطقة. غير أن التجارب أثبتت أن الدول تُدار وفق مصالحها المباشرة، وأن القوى الكبرى والإقليمية قد تتفاوض على كل شيء، فيما تبقى المجتمعات الصغيرة هي التي تدفع الثمن الأكبر من أرواح أبنائها واقتصادها واستقرارها.
وفي قلب هذا المشهد، تظهر واحدة من أكثر المفارقات اللبنانية تعقيداً. فلبنان يتفاوض مع إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بينما يوجد في الداخل طرف لبناني يخوض المواجهة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يطالب الدولة اللبنانية بجلب وقف إطلاق النار، قبل البحث بأي شأن آخر ، وكأن الدولة اللبنانية هي من تملك القرار ، وليس موازين المواجهة الواضحة المعالم ، رغم وضع المفاوض اللبناني هذه النقطة في بداية التفاوض ، ورغم ادراك اصحاب المواجهة العسكرية اللبنانيية هذه المفارقة، وادراك إسرائيل تماماً هذا التناقض، فتستخدمه، لتبرير استمرار الهمجية التدميرية، وتكريس وقائع جديدة في الجنوب تحت عنوان إزالة الخطر ومنع تكرار ما حدث.
وهنا يصبح المشهد أشبه بحلقة مفرغة، أصحاب المواجهة المحقّة من حيث رفض الاحتلال والاعتداء، يدخلون عملياً في تخادم غير مباشر مع المشروع الإسرائيلي، ليس بسبب النوايا، بل بسبب النتائج الواقعية التي تنتج عن اختلال موازين القوى الهائل، وعن غياب رؤية واضحة للنهاية الممكنة للمواجهة.
إسرائيل تعرف إلى أين تريد أن تصل، حتى لو اختلفت الوسائل والتوقيت. أما في لبنان، فلا يبدو أن هناك تصوراً واضحاً لما ستكون عليه المرحلة المقبلة، سوى استمرار الحرب المفتوحة والاستنزاف والدمار. والنتيجة الثابتة حتى الآن، ليست تحريراً إضافياً ولا استقراراً أكبر، بل توسع مساحة الخراب، وتراجع الحياة الاقتصادية، وتزايد النزوح، وتهديد الوجود البشري نفسه في مناطق واسعة من الجنوب.
ورغم الاختلاف بين ما يجري في لبنان وما شهدته غزة من إبادة واسعة ومباشرة، فإن القاسم المشترك يبقى واحداً ، تحويل الأرض إلى مساحة غير قابلة للحياة الطبيعية ، مع فارق جوهري ، ان سكان غزه لم ينتقلوا الى اماكن خارج القطاع ، بينما سكان الجنوب اجبروا على الانتقال الى كافة المناطق اللبنانية ، بعيدا عن بلداتهم ومناطقهم ، ومنعهم من العودة اليها ، وهنا تكمن الخطورة . فالحرب الحديثة لم تعد فقط حرب قتل مباشر، بل حرب دفع المجتمعات إلى الهجرة والانهيار وفقدان القدرة على الاستمرار.
من هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية، إلى متى ستبقى المواجهة العسكرية هي الخيار الوحيد المطروح لإنقاذ ما تبقى من الجنوب ولبنان؟ وإلى متى ستبقى القوى الشيعية، وخصوصاً الثنائية السياسية التي تمثل الشريحة الأكبر في بيئتها، بعيدة عن المجاهرة بحقيقة أن الحفاظ على ما تبقى قد لا يكون ممكناً عبر استمرار النهج نفسه؟
فالتمسك الدائم بفكرة القدرة على تكرار تجارب الماضي، أو إمكان التذاكي على الداخل ، وعلى المجتمعين العربي والدولي، والقول بصورة غير مباشرة إن لبنان لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه مهما كانت الظروف، لم يعد يتناسب مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم والمنطقة. فالدول اليوم تُقاس بقدرتها على بناء الاستقرار والمؤسسات والاقتصاد، لا فقط بقدرتها على خوض الحروب.
كما أن الاعتقاد بأن أي حديث عن الدولة يُعدّ تراجعاً عن خيار المواجهة، هو تبسيط خطير للأزمة،لأن الدولة ليست نقيض أي مكوّن لبناني، بل هي الضمانة الوحيدة للجميع، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية والسياسية. وفي زمن التحولات الكبرى، لم تعد المجتمعات تحتمل استمرار وجود جيوش متعددة للقرار الواحد، ولا بقاء مصير شعب كامل معلقاً على احتمالات الحرب الدائمة.
لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى وقف الانهيار الشامل في التفكير السياسي. يحتاج إلى مراجعة شجاعة تعترف بأن البطولة وحدها لا تبني وطناً، وأن حماية الناس لا تقل أهمية عن أي شعار آخر، وأن الاعتراف بالمخاطر قبل تحوّلها إلى كوارث ليس خيانة، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية.
فالبلاد التي تُستنزف بشرياً واقتصادياً واجتماعياً، لا تنتصر بمجرد استمرار القتال، بل عندما تنجح في حماية وجودها ومستقبل أبنائها. والدولة، مهما كانت ضعيفة أو مشوّهة، تبقى الطريق الوحيد القادر على جمع اللبنانيين داخل مشروع حياة، بدلاً من بقائهم أسرى مشاريع الحروب المفتوحة.