ايلي الياس

الفراغ أو القرار: مفترق سيادي جديد في لبنان

5 دقائق للقراءة

منذ بدايات التسعينات، ومع انطلاق عملية السلام بين العرب وإسرائيل، بدأت ملامح تحوّل تدريجيّ في المشهد الإقليميّ. مبادرات ومفاوضات متعدّدة، من مدريد إلى أوسلو، ومن كامب ديفيد إلى المبادرة العربية للسلام، فتحت الباب أمام إمكانية تسوية تاريخية تُنهي عقودًا من الصراع. هذا المسار، الذي ازداد زخمه بعد اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، أزعج إيران بشدّة. ليس لأنها ترفض السلام من منطلق عقائدي، بل لأنها أدركت أن مثل هذه التسويات تُسقط عنها ورقة الضغط الوحيدة التي استخدمتها لاختراق العالم العربي: القضية الفلسطينية.


في أيار 2000، انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان من دون اتفاق، ولا مفاوضات، ولا شروط. بدا الانسحاب حينها إنجازًا للبنان، لكنه مثّل أيضًا أوّل تهديد مباشر لمشروع إيران في المشرق. خروج إسرائيل كان يُفترض أن يفتح الباب أمام تثبيت السيادة اللبنانية، وانتشار الجيش على الحدود، والانخراط في مسار دبلوماسي لاستعادة ما تبقى من الأراضي المتنازع عليها. لكن ما حصل كان العكس تمامًا: سارعت إيران إلى ملء الفراغ عبر ذراعها "حزب اللّه"، فحوّلت الجنوب من ساحة تحرير إلى قاعدة نفوذ، ومن مساحة وطنية جامعة إلى منطقة خارجة عن سلطة الدولة.


مع اغتيال رفيق الحريري في شباط 2005، وانسحاب الجيش السوري في نيسان من العام نفسه، انفتحت أمام اللبنانيين فرصة نادرة لاستعادة القرار الوطني. لكن "حزب اللّه"، وقد خسر الغطاء السوري، قرّر أن يتولّى بنفسه إدارة التوازنات. دخل الحكومة للمرة الأولى، ثم بدأ تدريجيًا بتعطيلها من الداخل. رفض تسليم سلاحه، وفرض نفسه مرجعًا أمنيًا وعسكريًا، ثم تمدّد إلى الفضاءين السياسي والاقتصادي. لم يتقبّل الحزب، ومعه إيران، اندفاعة 14 آذار، فقرر مواجهتها من خارج المؤسسات، ولو على حساب قيام الدولة.


في تموز 2006، اختار الحزب توقيتًا حساسًا لتنفيذ عملية عسكرية عند الحدود، أدّت إلى اندلاع حرب مدمّرة، دُفع إليها لبنان من دون قرار، ولا تنسيق، في لحظة كانت فيها إيران تفاوض الولايات المتحدة حول ملفها النووي. دُمّر الجنوب، سقط الآلاف، انهارت البنى التحتية، وتراجع الاقتصاد، وكل ذلك فقط لأن طهران احتاجت إلى ورقة تفاوض إضافية تُحرَّك من بيروت.


التقرير الرسمي الصادر بعد الحرب قدّر الخسائر بنحو 3.5 مليارات دولار، وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد حققت مؤشرات مالية إيجابية قبل تموز. لكن الكارثة لم تكن في الأرقام فقط، بل في ما تلاها من تكريس لوضع جديد: "حزب اللّه" خرج من المعركة مسلّحًا بـ "انتصار" دعائي، استثمره لتعطيل الحكومة، وشنّ اعتصامًا طويلًا وسط بيروت، وفرض الثلث المعطّل، فشلّت المؤسسات، وتحوّل لبنان إلى رهينة في لعبة محاور إقليمية.


ومنذ ذلك الحين، كلّما اقترب العالم العربي من تسوية مع إسرائيل، ازداد السلوك الإيراني عدائية. فإيران، التي تدرك أن أي سلام حقيقي يهدّد مشروعها، لجأت إلى تفخيخ كلّ مسار تفاوضي، لا حبًا بفلسطين، بل دفاعًا عن نفوذها في المنطقة. ولبنان، كما في كل مرة، كان أول من يدفع الثمن.


أما اليوم، فالمشهد متغيّر بشكل جذري. فقد وجّهت إسرائيل، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، ضربات موجعة للبنية التحتية النووية الإيرانية، سبقها القضاء على عدد من قادة "حزب اللّه" وتدمير جزء كبير من قدراته العسكرية. وفي الوقت نفسه، تهاوى نظام بشار الأسد، الحليف الاستراتيجي لطهران، وسقطت آخر أعمدة المحور الذي حكم المشرق لعقود تحت عنوان "الممانعة".


عاد الحراك العربي السلمي إلى الواجهة، عبر المملكة العربية السعودية التي استعادت زمام المبادرة، وحدّدت المبادئ الأساسية لمسار التسوية، وكرّست دعمها السلطة الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. في هذا المسار، بقي لبنان غائبًا، بسبب سلاح "حزب اللّه"، الذي تستخدمه إيران كورقة تفاوض مع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة.


ومن هنا نفهم سياق زيارات المبعوثين الأميركيين إلى بيروت، وهم يحملون رسائل واضحة: واشنطن تشترط نزع سلاح "حزب اللّه" بالكامل قبل نهاية العام، مقابل انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلّة في الجنوب، وإطلاق مشاريع دعم وإعمار. وكان الردّ الإيراني سريعًا وميدانيًا: في 5 تموز، نظّم عناصر من "الحزب" عرضًا مسلّحًا في منطقة زقاق البلاط، في قلب بيروت. وفي اليوم التالي، 6 تموز، صعد الأمين العام لـ "الحزب"، الشيخ نعيم قاسم، المنبر العاشورائي ليُعلن تمسّك "الحزب" بسلاحه، رافضًا أي نقاش حول نزع شرعيته، ومؤكدًا أن "البيئة الحاضنة" لا تزال تلتف حول خيار "المقاومة". ومؤخرًا، سُرّبت معلومات من داخل "الحزب" تفيد بأن التمسّك بالسلاح لا يزال قرارًا محسومًا، ولا نية للمساومة عليه في المدى المنظور.


في هذا الظرف السيادي التاريخي، لا تزال الدولة اللبنانية، رغم خطاب القسم لرئيس الجمهورية، والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام، تتعامل مع المعادلة الجديدة ببرودة وتردّد. فعلى الرغم من وضوح الشروط الإقليمية والدولية، والتأييد الظرفي النادر لنزع السلاح، لا يشي الأداء السياسي بأن هناك استعدادًا فعليًا لالتقاط اللحظة. بل تبدو السلطة وكأنها تُحاكي المرحلة بأدوات ما قبل الانهيار: الصمت، الانتظار، والمراهنة على الوقت.