في زمن يضيق فيه الأمل، ويوصد فيه الوطن أبوابه أمام أبنائه، يبقى الثائر زياد الرحباني استثناءً يُشبهنا أكثر مما نظن.
هو ليس مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي أو مثقف لبناني، بل هو وجعنا الناطق، وسخريتنا الموجعة، وحلمنا العنيد الذي لم يخضع رغم كل شيء.
زياد، الذي وُلد من رحم الفن العظيم في بيت فيروز والرحابنة، لم يكن نسخة عن أحد، بل حالة فنية وسياسية وإنسانية فريدة، تشبه الثورة، تشبه الشعب، وتشبه الحقيقة حين تُقال بلا خوف، فإنه صوت المقهورين وحبر الوجع.
فمنذ أن لحّن أغنية "سألوني الناس" لوالدته فيروز وهو بعد في السابعة عشرة، كان واضحًا أن زياد قادم ليسلك دربًا خاصًا لا يُشبه أحدًا. دربٌ مليء بالأسئلة، بالتمرد، بالرفض، وبالجرأة التي تصفع الواقع من دون تجميل.
في مسرحه، كما في موسيقاه، كان زياد صوت المقهورين. حين كتب وأخرج "بالنسبة لبكرا شو"، "فيلم أميركي طويل"، "نزل السرور"، و"شي فاشل"، لم يكن يقدّم مجرد عروض فنية، بل محاكمات اجتماعية وسياسية علنية، على الهواء مباشرة، وباللغة التي يفهمها الناس، لا النخبة.
كان يقول ما لا يجرؤ الآخرون على التفكير فيه. كان يحاكي المواطن الجائع، التائه، الخائف، الغاضب، ويمنحه ضحكة ممزوجة بدمعة، وأملًا من خلف الركام فكان ما يقدمه زياد للأمة سابق للعصور.
في زمن الأغنية المُعلّبة، قدّم زياد موسيقى من نوعٍ آخر. مزج الجاز بالتراث، والسخرية بالألم، والكلمة العابرة بالموقف الثابت. أغنياته لم تكن للترفيه، بل للوعي.
"أنا مش كافر"، "بما إنو"، "عودك رنان"، و"يسعد صباحك يا حلوة" لم تكن مجرد أغانٍ تُسمع، بل بيانات شعبية بلغة فنية راقية، تقول الكثير في كلمات قليلة ففي كل لحن، كان هناك سؤال. وفي كل جملة، كان هناك موقف. وفي كل صمت، كان هناك صرخة... صرخة لمن لا صوت له.
فلم يكن زياد فنانًا محايدًا. كان منحازًا للفقراء، للمحرومين، لوجع الناس. هاجم الطائفية، وانتقد الحرب، وفضح الفساد، ووقف ضد الزيف حتى في ذروته، فانتمى إلى الفكر اليساري، لا كمجرد هوية، بل كموقف دائم من القهر. لكن حتى في انتمائه، بقي حرًّا. لم يُهادن، لم يساوم، ولم يتغيّر.
كان يمكنه أن يكون نجمًا عالميًا بامتياز، لكنه اختار أن يكون "زياد"، القريب من الناس، ابن الشارع والمقهى والمسرح الشعبي. اختار أن يبقى هنا، حيث الجرح مفتوح والحقيقة موجعة.
لبنان، كما صوّره زياد، ليس في نشرات الأخبار ولا في خطابات السياسيين، بل في أرواح الناس التي أنهكتها الحرب، وفي وجوه العابرين الذين ينتظرون دولة لا تأتي.
هو من القلائل الذين صرخوا مبكرًا، فقالوا "البلد رايح على الهاوية" حين كان الكل يرقص على الأطلال. فهل سمعناه؟ وهل تغيّر شيء؟ والمضحك المبكي أن كل من كان يأتي على المسرح لحضور زياد كان يضحك على تعاسته وبالنسبة لبكرا شو ؟ لا شيء تغير.
في رحيل زياد، إن صحّ الرحيل، خسر لبنان أحد أهم أصواته، لا الفنية فقط، بل الوطنية أيضًا.
خسر المرآة التي عكست بشجاعة ما لا نريد أن نراه. خسر الضمير الذي لم يهدأ، والعقل الذي لم يخضع، والفنّ الذي لم يبتذل والروح الثائرة بجسد كل لبناني أحب زياد او لم يحبه وإتفق معه او لم يتفق.
لكن زياد لا يُنتسى. هو باقٍ فينا، في ضحكتنا، في وجعنا، في نوتة موسيقية، في عبارة مسرحية، وفي كل لحظة نحتاج فيها إلى الحقيقة وفي كل أزقة الحمراء لا بل في كل لبنان.
زياد... ماذا أقول عنك أكثر من ما كتبته الأمة عنك، أنت لست مجرد فنان رحل، بل وجع جميل تركته فينا، لنشفى به من هذا الوطن المريض الذي يكرّم المرء فيه بعد مماته.
زياد...آخيرا
تقاس الشعوب بما تقرأ وتسمع فإسمح لنا أن نشكرك على ما صنعته يداك لنا من تاريخ، لعلنا غدا نتغنى بإرثك ونفاخر بكنز فكري موسيقي سياسي فني مسرحي وحياتي لا تقدر قيمته على هذه الأرض بأي ثمن كان.