ماريانا الخوري

حبٌّ ووفاءٌ ووسام في وداعه

زياد الرحباني: فنّه سيُقاوم نومه الأبدي

6 دقائق للقراءة

لم يكن تشييع الفنان زياد الرحباني مجرّد جنازة، بل كان لحظة وطنيّة عميقة قرّر فيها الجميع، من كلّ الطوائف والمناطق والانتماءات، الصمت أمام عظمة هذا الغائب الحاضر، الذي قال ما لم يجرؤ كثيرون على ترداده، وجعل من خشبة المسرح وطنًا آخر لا ينهار.


منذ ساعات الصباح، بدأ الناس يتقاطرون إلى "كنيسة رقاد السيّدة" في المحيدثة - بكفيّا، حيث أقيم المأتم الرسميّ والشعبيّ. الوجوه كانت حزينة، الأصوات خافتة، واللافتات التي علّقت على الطريق المؤدية إلى الكنيسة حملت صور زياد وكلمات حبّ ووداع، حتى بدا كأنّ بكفيّا كلّها تلبّست صوت البيانو وعبق الكلمة الحرّة.


على امتداد ساعات اليوم بين تقبّل التعازي وصلاة الجنازة، شخصيات عدّة حضرت، تقدّمتهم اللبنانيّة الأولى نعمت عون، كما حضر مراسم الوداع رئيس الحكومة نواف سلام ممثِّلًا رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب ممثلًا رئيس المجلس نبيه بري، الرئيس أمين الجميّل، الوزيران غسان سلامة وبول مرقص، وعدد من النوّاب والشخصيّات السياسيّة والفكريّة والثقافيّة والفنيّة، منهم: ماجدة الرومي، راغب علامة، هبة طوجي، كارمن لبّس، جورج شلهوب، طلال حيدر، إيلي صعب، والبطريرك يوسف يونان، والمطران الياس عودة.


في الكنيسة، جلست السيّدة فيروز، الوالدة والرمز، بصمت ثقيل، محاطة بابنتها ريما وأفراد العائلة، في مشهد مؤثّر زاد من ثقل اللحظة والشعور بفداحة الخسارة. وجه فيروز وحده كان كافيًا ليختصر حجم الوجع. لم تكن فقط أمًّا بل رمزًا يودّع رفيق الدرب وابن الحلم الرحباني الكبير.


تدفّق المواطنون والمحبّون من المناطق كلّها، كبارًا وصغارًا، من عرف زياد شخصيًّا ومَن لم يعرفه إلّا عبر صوته وكلماته. وقفوا أمام الكنيسة وعلى أدراجها وفي ساحاتها. وجوه ذابلة، عيون دامعة، وصدور مخنوقة. بعضهم بكى بصمت، وبعضهم كان لبكائه صوت الألم والحزن، وآخرون ضمّوا بعضهم البعض في احتضان طويل كأنهم يودّعون جزءًا منهم، لا فنانًا فقط عرفوه من خلال المسرح أو الشاشة أو الإذاعة.


كان الوداع جماعيًّا، عفويًّا، صادقًا. بدا وكأنّ الجميع كان يشعر أنّ لزياد مكانًا ما في حياته، في ذاكرته، في مراهقته، في ثورته، أو حتى في حزنه.


حمل صليبه حتى النهاية

الرابعة عصرًا ردّد الصدى قرع أجراس الكنيسة حزنًا، مُعلنًا موعد بدء الصلاة الجنائزيّة التي ترأّسها متروبوليت جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان) للروم الأرثوذكس المطران سلوان موسي، عاونه فيها رئيس "دير مار الياس - شويّا" المطران كوستا كيّال ولفيف من الكهنة من مختلف الأبرشيّات والمناطق. المطران موسي رثا الراحل بكلمة مؤثّرة قال فيها: "زياد الرحباني المبدع، ضحّى من أجل الإنسان في لبنان. رأى آلام الناس وأوجعته، فحمل هذا الوجع صليبًا في حياته. كان يحمل جرحًا في ذاته، لكنّ هذا الجرح جعله مبدعًا، فأخرج من الوجع نورًا، وحقّق فرقًا وتغييرًا في حياتنا".


وتوجّه موسي بكلمات خاصّة إلى السيدة فيروز قائلًا: "اليوم غادرك زياد، لكنّ أولادك كثر. أصبحنا نحن أبناء هذه العائلة التي زرعت فينا الأمل والمعنى. لقد أسّستم عائلة لوطن اسمه لبنان".


وسام الأرز الوطني

في ختام الصلاة، سلّم رئيس الحكومة نواف سلام، باسم رئيس الجمهورية، عائلة الراحل "وسام الأرز الوطني" من رتبة "كومندور"، وقال في كلمته: "أتكلّم حيث تختنق الكلمات، وأقف بخشوع أمام الأم الحزينة والعائلة، ولبنان شريك في هذا الحزن". أضاف: "زياد، المبدع العبقري، كنتَ صرخة جيلنا الصادقة، الملتزمة قضايا الإنسان والوطن. قلتَ ما لم يجرؤ الكثيرون على قوله". وختم قائلًا: "أمّا بالنسبة لبكرا شو؟ فستبقى يا زياد صوت الحق والحقيقة".


لن تغيب يا زياد

على هامش مراسم التشييع، عبّر عدد من الفنانين والممثلين لـ "نداء الوطن" عن حزنهم الكبير لفقدان زياد الرحباني، كلٌّ على طريقته بكلمات صادقة خرجت من القلب.


الفنان نقولا الأسطا قال: "زياد لن يتكرّر، زياد الفيلسوف، العبقريّ، الموسيقيّ، المسرحيّ، "النكتجي". على أمل أن نرى مثله، لكنني أشكّ. هذه العائلة الكريمة التي أرى أنني بفنّي أنتمي إليها، انفرد زياد عنها وخلق مدرسة أخرى بجانبها، وهذا بحدّ ذاته عظمة".


الممثل ميشال حوراني قال من جهته لزياد: "سنبقى نسمعك، نراك ونتذكرك. لن تغيب… نحبّك".


الفنان كارلوس عازار علّق بدوره على غياب زياد الرحباني قائلًا: "إرث زياد باقٍ طالما أننا نسمع موسيقاه. وطالما أننا نسمع مسرحه وفكره هذا يعني أنه لا يزال موجودًا".


"نداء الوطن" سألت الكوميدي شادي مارون عن أول ما يتبادر إلى ذهنه عند ذكر اسم زياد الرحباني فقال: "أتذكّر الفرح، السعادة، البسمة، والضحك الذي قدّمه. وأتذكّر الرسائل الوطنية والإنسانية والمبادئ التي تناولها في أعماله".


الممثل سعد حمدان عبّر بدوره عن حزنه العميق في هذا اليوم، قائلًا: "أتمنّى أن يرسل الله عبقريًا مثل زياد ليكمل هذا الطريق، لأنّ هذا طريق ينبغي ألا يتوقّف. وأنا آسف أنّ دولتنا لم تعلن حدادًا ليوم واحد على رحيل هذا الإنسان العبقري. كثير من الناس عرفوا لبنان من خلال فنانين مثل زياد".


الفنانة نجوى كرم اكتفت بعبارة تختصر كلّ المشاعر: "هنا ينتهي الكلام… وزياد ليس رقمًا بل الأعداد كلّها".


أما الفنانة مادونا، التي سبق لها التعاون مع الرحباني في أعمال دينيّة وغنائيّة، فقالت: "بعد مئة سنة قد تُخلق روح مثل روح زياد، لأنّ التمرّد والنضال هما من صنعا زياد. لا تظنّوا أنه كان مرتاحًا، لقد تعذّب كثيرًا في حياته".


النائب كميل شمعون توجّه برسالة خاصّة للراحل عبر "نداء الوطن": "أقول لزياد إنّ تاريخك لن يُنسى من كلّ محبّي المسرح في لبنان. وأوجّه تعازيّ لعائلة الرحباني، وللسيدة فيروز بشكل خاص".


وقبل أن تشهد تلال المتن على غياب شمس تمّوز الحارقة في الأزرق الكبير، كان الستار يُسدل على فصلٍ من فصول العبقريّة التي اسمها زياد الرحباني الذي ذهب ليرتاح في الأرض التي أنبتت الحكاية، واحتملت الألم، وسمعت عزف البيانو حين كان القلب يضجّ بالأسئلة.


زياد لم يرحل، سيبقى بيننا في نكتة تقول الصّدق بسخرية، في لحن يُقاوم موت صاحبه، في كلمة صالحة لكلّ زمان ومكان تُربك السُّلطة وتُربّت على كتف الموجوع. أمّا "بالنسبة لبكرا شو؟"، فالجواب صار يعرفه زياد الذي سبقنا إلى هناك.