أن تولد ابنًا لفيروز وعاصي الرحباني، هو كأن تولد داخل كاتدرائية. كل ما تفعله محاط بهالة، وكل ما تفكّر فيه خاضع لمحكمة الذائقة. هناك، في بيتٍ تفيض منه الأناشيد، لا مكان للخطأ، لا مكان للتجريب، لا متّسع للضوضاء أو الفوضى. لكنّ زياد، مذ تفتّح وعيه على العالم، اختار دربًا مغايرًا. كان كمن وُلد في معبد، فاختار الخروج إلى الشارع. لم يكن تمرُّدًا فارغًا، بل موقفًا وجوديًا. لم يُرِد أن يُكمل الترانيم، اختار أن يعزف مارشًا جنائزيًا على إيقاع البلاد المتعبة… ويبتسم.
وُلد زياد عام 1956. لم يحتج إلى أكثر من سبعة عشر عامًا ليترك بصمته الأولى، وكانت "سألوني الناس" الأغنية التي كتبت بداية بين قديم الرحابنة و "زيادهم". صدرت بعدما أُدخل عاصي إلى المستشفى، ولم تكن فيروز في حاجة إلى أكثر من ذلك لتغنّي حزنها. الأغنية لم تكن فقط جميلة، بل حقيقية، متألّمة، ولكنّها لم تكن إلا البداية.
صوت مختلف
منذ بداياته، كان زياد مختلفًا. موسيقاه لا تُحاكي الجمال الخالص، بل الجمال المنكسر، لا تُغازل الأذن، بل قد تُرعبها أحيانًا. لم يكن يبحث عن ألحان "مضبوطة"، بل عن نغمة فيها عطبٌ مختلف يشبهنا. في ألحانه اللاحقة لفيروز، من "كيفك إنت" إلى "ع هدير البوسطة" و "عودك رنان" و "مش كاين هيك تكون" وسواها، نسمع الحب كما لم نسمعه من قبل. هناك اختلاف عميق في النبرة، كأنّ فيروز لم تعد "سفيرتنا إلى النجوم" فقط، بل صارت امرأةً حقيقية، تشتاق، تنتظر، وتبكي خلف "المجلى" حين لا يراها أحد.
فَهِم زياد أنّ الجمال الشرقي حين يبالغ، يُصبح كذبة. لذا، أحبّ الجاز، لأنه لا يفرض مسارًا، بل يتيح للآلات أن تتنفّس. لم يحتمل التوزيع الشرقي أحيانًا، لأنه يجعل الكمان تبكي حتى حين لا تكون حزينة. كان يميل للبساطة المعقّدة، للأخطاء الجميلة، للارتجال الصادق. كلّ ألبوم له، كان بمثابة اعتراف صوتيّ باسم الشعب. في "مونودوز"، "أنا مش كافر"، أو "إلى عاصي"، يضع الميكروفون أمام وجوه الناس، ليسمعوا صدى فشلهم ومرارتهم، ويضحكوا منها كما لو أنها نكتة شخصية.
مرآة بلا تلميع
زياد لم يصنع مسرحًا، بل فكّكه. المسرح عنده ليس منصّة عرض، بل أداة جراحة اجتماعية. في أعماله مثل "بالنسبة لبكرا شو؟"و "فيلم أميركي طويل" و "شي فاشل"، لم يقدّم بطلاً بل قَدَّمَنا. كشف شخصيات نحبّ إنكارها: المواطن الخائف، العاهرة التي تفلسف وضعها، المخبر الرخيص، القسّ الذي يصوّت في البرلمان، المثقف الذي يحفظ جمل ماركس ويضرب زوجته.
ربما لم يكن أول من قال كلمة "زبالة" على المسرح ولكنه لم يكن يقصد النفايات. كان يعني الناس أحيانًا، والسلطة أحيانًا أخرى، وربما نفسه. جعل من السخرية سلاحًا لا ديكورًا، لم يكن هدفه الإضحاك بل الكشف. المسرح عنده كان تسجيلًا صوتيًا لصوت داخلي. المواطن يقول: "ما بقا فيي"، والممثل يردّ بصمت.
خيبة بلا منصة
السياسة عند زياد لم تكن خطابًا، بل حالة مزاجية. قال إنه شيوعي، ثم جلس مع "حزب الله"، ثم صرّح بحبّه لبشار الأسد. في كل محطة، خسر جمهورًا وربح آخر، ولم يعتذر. زياد لم يكن سياسيًا بالمعنى المتعارف عليه، بل كان ابن خيبة شخصية من وطن لم يحبّ أحدًا، ولا حتى نفسه. قال مرّة: "الكلّ عم يبيعنا… بس نحنا مش غاليين". وقال في مقابلة معروفة: "ما تتعبي حالك تسأليني عن حلّ… نحنا ما بدنا حل. بدنا موسيقى وكتّر خير الله".
لم يكن يُقدّم الموقف، بل يُعبّر عن العجز. زياد اليساري الملتزم كان أولًا وأخيرًا إنسانًا موجوعًا. لم تكن مواقفه سياسية بقدر ما كانت طعنات في جدار لا ينهدم. وعندما ثار الناس على مواقفه، انسحب. لم يعتذر، لم يبرّر. فقط اختفى، كأنه يعرف أنّ التصفيق سهل، والغدر أسهل.
سخرية تنقّب المعنى
لم يكن زياد مؤلفًا موسيقيًّا فذًّا أو كاتبًا مسرحيًّا مختلفًا فقط، بل كان أيضًا مهندسًا لغويًا من نوع خاص. اخترع نبرة جديدة في الكلام، حيث تختلط الفصحى بالعامية، وتتآخى الشتائم مع الشعر. كلماته لم تكن مرتّبة، لكنها صادقة، ممزّقة، تُشبه من يقولها. جمل قصيرة، لكن خلفها غضب عتيق، لم يكن يهتم إن كانت لغته "جميلة"، بل إن كانت "مؤذية بالقدر الكافي" لتهزّ المستمع. زياد جعل اللغة اليوميّة فلسفة، والشتيمة موقفًا سياسيًا. حتى نكاته لم تكن نكاتًا، بل قنابل صوتية تحمل فكرة أنّ العالم مُضحك لأنه مكسور. وأنّ كل ما نملكه حقًا هو الكلمة، إذا قلناها كما نشعر، لا كما يُطلب منا.
أمٌّ وابنٌ
لم يكن زياد ابنًا عاديًا، ولا فيروز أمًا عادية. بعد فترة طويلة من العمل المشترك، قيل إنّ العلاقة انقطعت. ثم عاد وصرّح أنها معجبة بالسيد حسن نصرالله. ثم نفت أخته ريما ذلك، وانفجر الخلاف. لم نعرف ما إذا كانت فيروز حزنت لكنّ الأكيد أنها سامحت، وزياد سكت. الصمت كان طريقته الوحيدة في الاعتذار.
كان يدور حول فيروز كأنه لا يريد أن يقترب أكثر، كتب لها ألحانًا حزينة، فيها حبّ مكسور. ربما كان يعتبرها الوطن الذي لا يطاوع، والبيت الذي لا يدخل، والمحبوبة التي لا تبتسم إلا على المسرح. أمّا هي، فبقيت كما هي: مشعّة، صامتة. وهو بقي كما هو: حائرًا، وحيدًا... وابنها.
لا نوتة أخيرة
في السنوات الأخيرة، انسحب زياد. لا ألبومات جديدة، لا ظهورات منتظمة، لا توضيحات، قيل إنه مريض. قيل إنه متعب. هو نفسه لم يقل شيئًا. فقط ترك لنا تسجيلات مبعثرة، مقابلات متشنجة، وأوراقًا مكتوبًا عليها: "ما بدي غنّي… بدي فلّ". لكننا لا نتركه يفلّ. نعيد تشغيل ألبوماته، نسمع سخرياته فنضحك، نسمع صمته فنفهم.
زياد ليس نجمًا. إنه ذاكرة وطن ضجران من متاعبه التي لا تعد ولا تحصى. زياد ليس فنانًا بالمعنى المتعارف عليه، بل مرآة لمزاج عام مرتبك، مزاج جيل يعرف كل شيء، ولا يستطيع تغيير شيء.
زياد الذي يسكننا جميعًا لم يكن نبيًا، لكنه قال نبوءة صادقة: "ما في حل… بس في موسيقى". لذلك، غاب ولن يغيب.
صوته سيبقى في سيارات الأجرة، في المقاهي، في قلوب العشاق، وعلى موائد الفقراء، وفي سهراتنا وذاكرتها. هذه المرة لن نعيش وحدنا بلاه، سنعيش مع نوتاته الخلّاقة وسخرياته الجارحة، صوته سيظل صوت صديق قديم من نوع نادر، ساخر، مُحبّ، يقول لنا الحقيقة من دون أن ينتظر تصفيقنا. موسيقاه لا تدخل من الأذن، تدخل من الذاكرة، هي ليست للتسلية، بل للعيش.
سيظل زياد سؤالًا معلّقًا في الأفق اللبناني، هل يمكن أن نحبّ من يفضحنا؟ وهل يمكن أن نغفر لفنّان مع انه لم يمنحنا نهاية سعيدة؟ ربما الجواب الوحيد أننا سنبقى نحبّه، ليس رغم كل شيء، بل لأنّه قال لنا كلّ شيء. قال ما لم نجرؤ على قوله، وأسمعنا ما كنا نخجل من سماعه. تركنا في المنتصف، بلا خلاص، بلا انتصار، لكنه جعلنا نعرف أنفسنا أكثر، وهذا، في الفن، أعظم من أي نهاية سعيدة.
في بيت الرب كنت صغيرة عندما بدأتُ أرتاد "قدّاس الشبيبة"، السابعة مساء الأحد، في كنيستنا، "كنيسة مار الياس" في أنطلياس. في البداية، ذهبت من أجل يسوع، من أجل الصلاة، من أجل تلك اللحظة الصافية التي ترتفع فيها الأرواح فوق الصمت. لكن شيئًا فشيئًا، بدأت أذهب أيضاً لأجل زياد، لأجل موسيقاه وألحانه وتراتيله التي كانت تسبق صلاتنا وتتجاوزها. كنت أغمض عينيّ، فأشعر أنّ السماء اقتربت، اقتربت كثيرًا، حتى لامستنا. ألحانه لم تكن جميلة فقط بل كانت تملأ الوجود حبًّا. تراتيله جذبتني إلى الفرح، والفرح شدّني أكثر ليسوع. منذ تلك الأيام، أحببت موسيقاه، كلماته، ثم أحببت عبقريته، وذلك الجنون، الذي لا يعرف كيف يصمت. آخر مرة سمعته يعزف ويقود أوركسترا وكورس كانت في "مهرجانات بيت الدين"، في تموز 2018. لم أصدّق أنني أسمعه يعزف أحب تراتيل طفولتي: "سيّدي، أعطِنا من هذا الخبز"! صرخت يومها، فرحت، كدت أبكي. قلت يومها شكرًا زياد، على كل نوتة، على كل سخرية، على كل ما فيك من صدق. شكرًا زياد. |