بعد الضغوط الكبيرة التي تعرّضت لها حكومة "حزب العمال" البريطانية للاعتراف بدولة فلسطينية أسوة بفرنسا التي أكدت أنها ستقدم على هذه الخطوة في أيلول المقبل، وبالتزامن مع انعقاد مؤتمر "حل الدولتين" في نيويورك بقيادة السعودية وفرنسا، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن المملكة المتحدة ستعترف بدولة فلسطينية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول المقبل ما لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية خطوات جوهرية لإنهاء "الوضع المروّع" في غزة، والتوصّل إلى وقف لإطلاق النار، وتوضيح أنه لن يكون هناك ضمّ للضفة الغربية والالتزام بعملية سلام طويلة الأمد تُفضي إلى "حل الدولتين". وأكد أنه "لا مساواة" بين إسرائيل و"حماس" وأن مطالبنا من الحركة لا تزال قائمة، وهي "ضرورة إطلاق سراح جميع الرهائن والموافقة على وقف إطلاق النار وقبول عدم قيامها بأي دور في حكم غزة ونزع سلاحها"، في وقت أفاد فيه مصدر مطّلع لوكالة "رويترز" بأن ستارمر أجرى مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل إعلان عزم بلاده الاعتراف بدولة فلسطينية.
في السياق، أكد وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي خلال اليوم الثاني من فعاليات مؤتمر "حل الدولتين" في مقر الأمم المتحدة أن "تاريخنا يعني أن بريطانيا تتحمّل عبئًا خاصًا من المسؤولية لدعم حل الدولتين"، مشدّدًا على أنه "سنعترف بدولة فلسطينية في أيلول، إلّا إذا أنهت إسرائيل الوضع في غزة وقبلت بسلام طويل الأمد". واعتبر أن "رفض تل أبيب "حل الدولتين" مخالف للصواب وخطأ أخلاقي واستراتيجي"، وأكد أنه "على "حماس" أن تنزع سلاحها وتطلق المحتجزين لديها".
في المقابل، رفضت الخارجية الإسرائيلية إعلان ستارمر، معتبرة أن "تغيّر موقف الحكومة البريطانية في هذا التوقيت، بعد الخطوة الفرنسية والضغوط السياسية الداخلية، يُعدّ مكافأة لـ "حماس" ويضرّ بالجهود المبذولة للتوصل إلى وقف للنار في غزة ووضع إطار للإفراج عن الرهائن". بالتوازي، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه لم يُناقش مع ستارمر خطّة بريطانيا للاعتراف بدولة فلسطينية، مشيرًا إلى أن "الاعتراف بدولة فلسطين في الوقت الحالي يخدم "حماس"، وأميركا ليست في هذا المعسكر". وكشف أنه تحدّث مع نتنياهو قبل يومَين حول المساعدات الإنسانية لغزة، معتبرًا أن الأخير يريد ضمان إنفاق الأموال في مصادرها الصحيحة وتوزيع الغذاء بالشكل الصحيح ولا يريد أن تستولي "حماس" على الأموال أو الأغذية.
وفي برلين، حسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الملك الأردني عبدالله الثاني، أن حكومته لن تعترف "الآن" بدولة فلسطينية، لأن هذه "ليست بالخطوة الصحيحة"، مطالبًا إسرائيل بـ "تحسين الوضع الإنساني الكارثي في غزة بسرعة وحزم"، وبألّا تكون هناك عمليات طرد أخرى، و"لا أي خطوات أخرى نحو ضمّ الضفة الغربية". من ناحيته، اعتبر العاهل الأردني أن "حرب إسرائيل على غزة" يجب أن تتوقف، محذرًا من أن "السماح باستمرار هذا الوضع وصمة عار على إنسانيتنا جميعًا".
تزامنًا، أعلن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اعتماد الوثيقة الختامية لمؤتمر "حل الدولتين"، التي تضمّنت مقترحات شاملة عبر المحاور السياسية والأمنية والإنسانية والاقتصادية والقانونية، وسردية استراتيجية، لتشكل بذلك الإطار المتكامل والقابل للتنفيذ من أجل تطبيق "حل الدولتين"، وتحقيق السلم والأمن للجميع، داعيًا إلى تأييد الوثيقة الختامية قبل اختتام أعمال الدورة 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عبر إبلاغ بعثتي السعودية وفرنسا، بينما شدّد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو على أن "الدولة الفلسطينية لن تهدّد إسرائيل وهذا التزام". وأفادت الخارجية المصرية بأن الوزير بدر عبد العاطي بحث مع نظرائه السعودي والقطري والأردني مستجدّات الأوضاع في غزة وجهود استئناف وقف النار على هامش مؤتمر "حل الدولتين"، مشيرة إلى أن الوزراء بحثوا الخطوات المقبلة لتنفيذ الخطة العربية - الإسلامية للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، والإعداد لمؤتمر القاهرة الدولي لإعادة الإعمار.
في الأثناء، وجّه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر توبيخًا رسميًا لسفيرة هولندا، ردًا على انتقادات بلادها في شأن معاملة الفلسطينيين وحظر سفر وزيرَي المال والأمن القومي الإسرائيليَّيْن بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير إلى هولندا، معتبرًا أن أمستردام "اختارت تحويل صداقة طويلة الأمد مع إسرائيل إلى عداء علني تجاهها، وتحديدًا في وقت عصيب تمرّ به، وذلك على الأرجح بدافع المصالح السياسية".
إلى ذلك، جزم نتنياهو بأن إسرائيل تواصل جهودها لإطلاق سراح الرهائن، رغم رفض "حماس" التوصل إلى اتفاق، فيما غادر وفد الحركة المفاوض الدوحة متوجّهًا إلى تركيا، بهدف بحث "آخر التطوّرات" بعد تعثر المفاوضات مع إسرائيل في شأن وقف النار في غزة، حسب وكالة "فرانس برس". وبينما أفادت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بأن نتنياهو سيقترح خطة لضم أراضٍ من غزة لإقناع سموتريتش بعدم الانسحاب من الحكومة، حذرت الخارجية الفلسطينية من الضمّ التدريجي للقطاع، معتبرة أنه مقدّمة للتهجير وتقويض فرصة تجسيد الدولة.
إنسانيًا، أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن مجاعة تتكشف في غزة، موضحًا أنه "تشير أدلة متزايدة إلى أن انتشار الجوع وسوء التغذية والأمراض يقود لارتفاع الوفيات المرتبطة بالجوع". وكشف أنه لم يحصل على التصاريح اللازمة لإيصال مساعدات كافية منذ أن بدأت إسرائيل هدنًا إنسانية الأحد الماضي، مؤكدًا ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لمنع انتشار الموت على نطاق واسع، في وقت تجاوز فيه عدد القتلى الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر في القطاع الـ 60 ألفًا.