في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، ترتسم ملامح الانفجار الأخير للّعبة المزدوجة التي أنهكت الدولة وأفقدتها معناها. سقطت كل الأقنعة، وتكشفت حقيقة ما كان البعض يحاول تغليفه بشعارات المقاومة والدفاع: سلاح خارج الدولة استجلب احتلالاً، وتنظيمات أمنية موازية، وهيكل سلطوي مصلحي يُمسك بالبلاد من عنقها ويمنع قيام الدولة.
لم يعد الحديث عن استعادة القرار الوطني ترفاً سياسياً أو اجتهاداً ظرفياً، بل بات مؤشراً على دخول الدولة مرحلة مفصلية تُحتّم الحسم لا التردد. لقد انتهى زمن المواربة، وسقطت شرعية التوازنات الوهمية. الدولة، بمؤسساتها الدستورية، إما أن تمارس مسؤوليتها بكامل وضوحها السيادي، أو تفقد مبرر وجودها. في اللحظات المصيرية، لا يُقاس أداء السلطة بقدرتها على إدارة التعايش، بل بقدرتها على اتخاذ القرار.
سقوط المهلة الأميركية لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024، هو نقطة تحوّل دستورية، سياسية، ودولية. الاتفاق واضح: لا سلاح إلا بيد الدولة. وأي تلكؤ عن تنفيذ هذا الالتزام لا يعني فقط خرقاً للاتفاق، بل إعلاناً رسمياً بأن الدولة اللبنانية لم تعد تملك قرارها، وأنها اختارت موقع “اللا دولة” بوعي كامل.
في المقابل، بات واضحًا أن التعطيل الممنهج لكل مفاصل الدولة، ما هو إلا محاولة لتسجيل “نقطة إعلامية” لصالح الحزب في الداخل، بعدما فشل في تحقيق أي مكسب فعلي في المواجهة مع إسرائيل. فكما بعد حرب تموز، يسعى حزب الله لإنتاج سردية “الانتصار المعنوي”، رغم أن الواقع يفضح تراجعه وعجزه. لكن هذه المرة، لا تمنحه إسرائيل حتى هزيمة رمزية. ولبنان وحده يدفع الثمن، بتعطيل مؤسساته ومصالح ناسه، لأجل وهم لا يحمل أي قيمة وطنية.
الواقع القائم في لبنان لم يعد يحتمل التجميل أو التذاكي: وجود تنظيم عسكري خارج الشرعية، مرتبط بقرار إقليمي مستقل، ويعمل ضمن بنية موازية لمؤسسات الدولة، يشكّل تقويضاً مباشراً لمفهوم الدولة نفسه. هذا ليس استثناءً يُدار، بل اختلال بنيوي موثق، يتنافى مع أبسط مقومات السيادة. وأي سلطة تقبل بهذا التعايش القسري مع منظومة أمنية وعسكرية خارجة عنها، إنما تُفرّغ الدولة من مضمونها وتحيلها إلى كيان اسمي بلا وظيفة.
التحذير من خسارة أصدقاء لبنان ليس خطاباً دبلوماسياً. ما يجري فعلياً هو بداية انسحاب الدعم العربي والدولي عن لبنان. لا مؤتمرات دعم، لا مشاريع، لا ثقة. الدول لا تستثمر في كيان هش يخضع لسلاح ميليشيوي، ويعجز عن فرض أبسط شروط السيادة. وإن استمرت الأمور بهذا الشكل، فإن الجيش اللبناني نفسه والقوات الدولية في الجنوب سيكونان عرضة للتخلي.
هذه ليست مجرّد أزمة تمويل أو فتور مؤقت، بل مراجعة جذرية تقوم بها الدول المعنية بلبنان لموقعه من الشرعية الدولية. الدعم الدولي، وخصوصاً الغربي والخليجي، لم يعد مفتوحًا دون سقف. هناك شبه إجماع على أن الشراكة مع لبنان تمرّ من خلال مؤسساته السيادية، لا عبر منظومات موازية أو توازنات داخلية مشبوهة. وحتى الجيش اللبناني، الذي يُمثّل آخر رموز الدولة القابلة للدعم، بدأ يواجه علامات استفهام دولية حول مدى استقلاليته وقدرته على تنفيذ قرار سيادي حقيقي. التأخير لم يعد يُفسّر بالحذر، بل يُفَسَّر بالخضوع.
المعادلة لم تعد معقدة. الداخل في سباق مع الزمن، والخارج في سباق مع الملل. وكل تأخير إضافي، هو رصيد مجاني يُمنح لحزب الله لترسيخ واقع السلاح، وتوسيع شبكة النفوذ، وتهديد ما تبقّى من فرص الإنقاذ.
وفيما الخارج يراجع شروط الشراكة مع لبنان، فإن الداخل لا يزال يتخبّط في دوّامة التردد والتعطيل. أما في الداخل، فلا عذر لأي مسؤول شرعي – لا رئيس الجمهورية، ولا رئيس الحكومة، ولا الوزراء – إن لم يقرّوا اليوم، لا غداً، قراراً واضحاً بحلّ التنظيمات العسكرية والأمنية غير الشرعية، وتكليف الجيش اللبناني بتنفيذ هذا القرار على مراحل قانونية ومؤسساتية. لا يُطلب اجتياح، بل يُطلب احترام القانون. وأي كلام عن خطر الفتنة أو الحرب الأهلية هو تضليل سافر يهدف إلى شلّ إرادة الدولة.
ما يُطلب اليوم ليس مواجهة عسكرية، بل مواجهة قانونية ومؤسساتية عبر أدوات الدولة الشرعية، وأولها الجيش اللبناني الذي يمتلك الغطاء الدستوري والوطني لتنفيذ قرارات السلطة التنفيذية. في كل دول العالم، تنفيذ القانون لا يُعتبر تعدياً، بل واجبًا. والحديث عن الفتنة أو الحرب الأهلية كذريعة للشلل، هو في جوهره تهديد مبطّن للدولة ومحاولة لابتزازها من الداخل. القوة الحقيقية لا تكمن في السلاح، بل في القدرة على فرض احترام القانون بوسائل مشروعة وشرعية.
الأزمة السورية، بكل ما تحمله من تحوّلات، لم تعد ورقة تخويف قابلة للصرف. لا التطرف السنّي صعد، ولا الفوضى تمددت إلى لبنان رغم كل شيء. لبنان محصّن بشعبه، بقواه الأمنية، وبالرعاية الإقليمية والدولية التي لا تزال حريصة على استقراره، شرط أن يُثبت نفسه شريكاً لا عبئاً.
في النهاية، لم يعد النقاش تقنياً أو دستورياً أو سياسياً. المسألة أصبحت وجودية: هل لبنان مستمر كدولة لها سلطة وسيادة وجيش وقانون؟ أم يتحول رسمياً إلى حقل تجارب وصندوق بريد إيراني – إقليمي – دولي؟ هذا هو جوهر الصراع اليوم.
والإجابة عليه لا تكون في صالونات التسوية، بل في قرار حكومي واضح، سيادي، لا ينتظر رأي الرئيس بري، ولا يفاوض حزب الله، بل ينفّذ ما يُمليه عليه الواجب الوطني والحق الدستوري.