تتضارب تطلعات وأهداف الفئات التاريخية والطائفية التي تنتمي إلى هذا الشرق الأوسط مع الأكثرية الشعبية السنية، خاصة بعد سقوط نظام الأسد العلوي في سوريا وتمدد الحكم "السنّي" ليمتد هذا البحر ويربط أغلبية البلدان السنية بعضها ببعض من تركيا إلى سوريا والأردن ودول الخليج ومصر والسعودية وصولاً إلى جنوب آسيا.
إن عدنا بالتاريخ وبعد الاتفاق الأميركي - العربي على تسليم لبنان لسوريا وتوسيع صلاحيات وحكم الجيش السوري المحتل, اصطف اللبنانيون بين صديق للاحتلال الأسدي وعدو له، وانسحب هذا التصنيف على طائفة المجتمعات التاريخية اللبنانية.
بداية تمت ترجمة هذا الاتفاق عبر إسقاطه على الشارع المسيحي الذي واجه الأسد بالسياسة والعسكر، فنفى الاحتلال الرئيس أمين الجميل والعماد ميشال عون وسجن الدكتور سمير جعجع بعدما نزع سلاح التنظيمات المسيحية ونَصّب قيادات مسيحية بديلة حليفة له.
في المقابل ترك سلاح الميليشيات الشيعية بحجة المقاومة وبنى تحالفاً وطيداً استفادت منه البيئة بفضل قوة السلاح والاحتلال بشكل مباشر. وأرسى معادلة "الأمن لنا والاقتصاد لكم" في تعاطيه مع أهل السنة آخذاً في الاعتبار مصالح المملكة العربية السعودية، وبسبب تجاوزات السوري التي لم تعد تحتمل يومها عاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانتفض على الأمر الواقع وانقلب على الأسد وصولاً إلى اغتياله.
القيادات الدرزية قرأت التغييرات وأعلنت دعمها وحماستها للاحتلال ولكل مطلب أسدي يومها، فشاركت المحتل، وشغل وليد جنبلاط يومها مكانة متقدمة على الساحة اللبنانية.
أما بالعودة إلى يومنا هذا وبعد اندحار الأسد من لبنان عام ٢٠٠٥ وإسقاط نظامه في سوريا، ها نحن اليوم أمام متغيرات كبيرة، تجعلنا نطرح أسئلة كثيرة:
كيف يقرأ اللبنانيون هذه المتغيرات؟ وهل لديهم القدرة على تغييرها؟ وهل استطاع أحد تاريخياً تحييد لبنان عن سوريا؟
إن كان ترحيب الشارع السنّي في لبنان ودعوته لإقامة أحسن العلاقات مع الإدارة الجديدة في سوريا أمراً طبيعياً، فهو لإيمانهم بالدور الذي قد تلعبه سوريا وتأثيره على الداخل اللبناني، إضافة إلى أنّ فرضية قيام دولة إسلامية على حدودهم، لا تخيفهم.
وكذلك فعل وليد جنبلاط عندما قرأ باكراً الدعم الأميركي العربي والدولي للرئيس أحمد الشرع وسارع لبناء أفضل العلاقات مع الإدارة الجديدة، مدركاً أهمية العلاقة اللبنانية السورية والأهم من ذلك العلاقة الدرزية "العامة" بالإدارة الجديدة، رغم أنهم أقلية في هذا البحر السنّي إلا أنه لم يتردّد.
الملفت بعد سقوط الأسد وتبدّل موازين القوى في الداخل السوري، هو انعكاس هذا الوضع الجديد على الداخل اللبناني والذي كان من المفترض، أن يبدّل موازين القوى بين مشروع الثنائي الشيعي بتدمير الدولة اللبنانية لصالح المحور الإيراني ومشروع بناء دولة مستقلة سيادية حرة على كامل ال ١٠٤٥٢ الذي لطالما كان مطلباً سيادياً مسيحياً تاريخياً.
في التطبيق نعم، الثنائي بدأ يدفع ثمن هذا التغيير في سوريا، وها هو مشروعه يدمر أمام أعينه، أما ماذا عن المشروع السيادي المسيحي الآخر؟ هل من مصلحة المسيحيين التقرب من الإدارة الجديدة في سوريا التي تحمل مشروع إقامة دولة إسلامية؟ هل من مصلحتهم التقرب من نظام قد يبتلع لبنان كما يسوّق؟
ما يجب أن يعرفه مسيحيو لبنان، هو أن ما قام به نظام الأسد من قتل واحتلال ومحاولة لقضم لبنان بأكمله، هو "الماكسيموم"! وهو لا يقل خطورة عن التطرف الطائفي "إن وجد" وما من نظام يستطيع أن يتخطى إجرام ونوايا الأسد تجاه لبنان والمسيحيين خاصة، أقصى ما قد يواجهه المسيحيون اليوم أن يعيد التاريخ نفسه، وها هم ما زالوا موجودين في لبنان.
الحكم على هذا النظام والتقوقع قد يضيع على المسيحيين فرصة تاريخية، أن يكون المسيحي اللبناني هو الأقرب إلى جميع المكونات التي تحيط به، ويعود إلى دوره الريادي والتوفيقي بين الجميع، وهذا ما سيكسبه مكانة مميزة مستقبلاً، وهذا ما يفترض أن يجسده رئيس البلاد المسيحي، لأن معاكسة التغيرات الدولية والإقليمية مرة جديدة هو غباء وقلّة إدراك ووعي بعد كل التاريخ الماضي خاصة في ظل سقوط نظام اجرم المجرمين حافظ الأسد.
أما لمن يخشى هذا التوجه، هل يعارض نموذج المملكة العربية السعودية؟ هل يعارض نموذج الإمارات أو دول الخليج؟ حيث هاجر أغلبية الشباب اللبناني وخاصة المسيحيين منهم للبحث عن الاستقرار والأمان وبناء مستقبلهم؟! إنهم جميعاً على أفضل العلاقات مع الإدارة السورية الجديدة.
تخافون الانفتاح على الحكم "السنّي" في سوريا؟ إذهبوا وانسجوا أفضل العلاقات مع الدول العربية، إذهبوا وأعيدوا لبنان إلى قلب العروبة إلى حيث ينتمي، استفيدوا من قوة العرب اليوم، قدّموا مشروعكم لبناء الدولة، أطلبوا مطالب دولة وليس مطالب فئوية ففي كل أزمة لم نجد ولم نتجه إلا صوب إخواننا العرب.
أيها المسيحيون، دوركم أساسي في لبنان والمنطقة من يتردد أن يقيم علاقات مميزة مع الإدارة السورية الجديدة لترتيب وضع الدولتين بعد ما دمرتهما إيران، فليلجأ إلى المملكة العربية السعودية ويبدأ بأفضل العلاقات مع الإدارة الجديدة في سوريا خدمة لمشروع لبنان أولاً،… ماذا تنتظرون؟!