قالها زياد الرحباني ذات يوم بسخرية موجعة: "شفتلك حداً شبع من أرزة؟"
سؤال يحمل في طياته كل يأس اللبناني الذي تعب من الشعارات، ومن الصور المزروعة في الذاكرة الوطنية عن بلدٍ لم نعرفه يومًا كما صُوّر لنا.
أرزة لبنان، شعار "العنفوان"، "العيش المشترك"، و"الوطن الرسالة"، تحوّلت إلى صورة رمزية نعلّقها على الجدران، بينما نعيش في وطنٍ يتآكله الفساد، ويتنازعه الطائفيون، ويستنزفه الجشع. لا أحد شبع من الأرزة، لأن الأرزة تحوّلت إلى وهم. وطن يُحكى عنه كثيرًا، ولا يُبنى أبدًا.
في هذا البلد، يتكلمون كثيرًا " يُنَظِّرون".
يرفعون شعارات العدالة، والنزاهة، والدولة المدنية، وهم أنفسهم من يفصّلون القوانين على قياس مصالحهم. تَرى مواطنًا درجة أولى، وآخر درجة عاشرة. ترى من تُفتح له الطرقات، ومن يُدهَس تحت أقدام الواقع. عدالة إنتقائية، قوانين تُخاط بالخيط الأبيض والأسود، وزبائنية تُكرّس الولاء للزعيم بدل الانتماء للوطن.
خمس سنوات مرّت على انفجار المرفأ، ولم يُحاسَب أحد.
تُسرق أموال المودعين في وضح النهار، ولا خجل.
الفساد أصبح بنية تحتية للدولة، أو ما تبقى منها.
مصيبة تتبع مصيبة، ولا قعر لهذا الانهيار.
جميلٌ جدًا أن نتغنّى بصفات عظيمة كالنزاهة والكرامة والمقاومة والصمود،
لكن الأهم أن نُجسّد هذه الصفات في أفعالنا، لا أن نحصرها في أناشيد ولافتات.
فما الجدوى من رفع شعار "العدالة" إذا كنا أول من يخرق القانون؟
وما النفع من ترداد "الوطنية" إذا كنا نخون الوطن كل يوم؟
لكن، وللحق، اعتاد اللبناني أن يُداوي نفسه بالأمل.
أن يسكب على جرحه عبارات تشجيعية لعله يخفّف الألم،
أن يستعمل الكلمات كمسكنٍ روحي، كوسيلة للبقاء في أرضٍ صعبة، لا تُنصف أبناءها.
قد لا يكون ذلك كافيًا، لكنه كان، وما زال، طريقًا للمقاومة النفسية…
لعلّه ما يفسر صمود شعبٍ لم يُترك له شيء، سوى الأمل.
لكن ماذا عن المواطنة؟
ما معنى أن تكون مواطنًا في بلدٍ لا يوفّر لك أدنى مقوّمات الحياة الكريمة؟
المواطنة تفقد معناها حين يجوع الإنسان، أو حين يرى أطفاله محرومين من أبسط الحقوق.
عندها، يصبح الوطن عبئًا، لا انتماء.
ولهذا، نرى من يهاجر حفاظًا على كرامة عائلته، لا جُبنًا ولا خيانة.
نراه يترك الأرض لأنه لم يعُد قادرًا على احتمال الذل تحت شعارات الصمود والمقاومة.
وقد أثبتت الأيام، بكل مرارتها، أن من بقي وقاوم،غالبًا، احترق في حبّه للوطن.
ظل يدور في حلقة مفرغة من الصبر، والإنكسار، والخسارة، دون أمل بالخلاص.
فما العمل؟
كيف نحمي هذا الوطن من الانهيار، دون أن نُدمّر أنفسنا؟
كيف نصنع وطنًا يبادل مواطنيه الوفاء، لا يتركهم ضحية شعارات؟
وسط هذا الركام، نسأل:
كيف نُعيد الاعتبار للإنسان، للمواطن، في بلد جرفته الأنانية وحب الذات والجشع؟
كيف نغرس معنى المواطنة، حين يصبح الانتماء للطائفة أو الحزب أقوى من الانتماء للوطن؟
كيف نُعلّم أبناءنا أن يحلموا بمستقبل في هذا البلد، دون أن نكذب عليهم؟
المواطنة لا تُبنى بالشعارات، بل بالفعل.
لا تُقاس بعدد الأعلام على الشرفات، بل باحترام القانون، والمساواة، والعدالة.
نحتاج ثورة قيم، لا فقط ثورة سياسية.
نحتاج أن نعيد الإنسان إلى قلب المشروع، بدل أن يكون وقودًا له.
فكفى تردادًا لعبارات فقدت معناها.
كفى تسويقًا لأرزة لم يشبع منها أحد.
نريد وطنًا حقيقيًا، لا مجرد شعار Slogan.
أستاذة جامعية